حسن بن إبراهيم بن حسن البيطار

تاريخ الولادة1206 هـ
تاريخ الوفاة1273 هـ
العمر67 سنة
مكان الولادةدمشق - سوريا
مكان الوفاةدمشق - سوريا
أماكن الإقامة
  • الحجاز - الحجاز
  • استانبول - تركيا
  • دمشق - سوريا

نبذة

(1206 - 1273 هـ = 1791 - 1856 م) حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد، المعروف بالبيطار: فاضل، دمشقي المولد والوفاة، شافعيّ المذهب. تولى الخطابة والإمامة والتدريس في جامع كرم الدين (المعروف الآن بجامع الدقاق) واشتد الإقبال عليه، فاستدعاه قاضي البلد، واتهمه بالتعرض لمصالح الحكام، وأرسله إلى السجن. وثار الناس. وشعر القاضي بالحرج، فأذن بإخراجه في عشية اليوم نفسه واعتذر إليه

الترجمة

(1206 - 1273 هـ = 1791 - 1856 م) حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد، المعروف بالبيطار: فاضل، دمشقي المولد والوفاة، شافعيّ المذهب. تولى الخطابة والإمامة والتدريس في جامع كرم الدين (المعروف الآن بجامع الدقاق) واشتد الإقبال عليه، فاستدعاه قاضي البلد، واتهمه بالتعرض لمصالح الحكام، وأرسله إلى السجن. وثار الناس. وشعر القاضي بالحرج، فأذن بإخراجه في عشية اليوم نفسه واعتذر إليه. ووصل الخبر إلى الأستانة فأمر السطان بدعوته اليها وأكرمه. ولما عاد استقبلته دمشق كلها. وصنّف (بذل المرام في فضل الجماعة وأحكام المأموم والإمام - خ) رسالة، في دار الكتب المصرية (21632 ب) ضمن مجموعة. وله نظم ضعيف. وهو والد عبد الرزاق البيطار، مصنف (حلية البشر - ط).

-الاعلام للزركلي-

 

 

الشيخ حسن بن إبراهيم بن حسن بن محمد بن حسن ابن إبراهيم بن عبد الله الشهير بالبيطار
الشافعي الأشعري النقشبندي الدمشقي ولادة وقراءة، الميداني إقامة ومدفناً، الوالد الأعظم، والسيد الأفخم والأكرم، والعالم النحرير، والمدقق الخبير، شافعي زمانه، وألمعي أوانه، الجامع بين العلوم العقلية والنقلية، والمقتدي بالكتاب العزيز والسنة المحمدية، بحر العلوم والمعارف، الشارب من أطيب مناهل العرفان واللطائف، الآخذ بعزائم العبادة، والجاعل التقوى إلى الآخرة زاده، الصوفي النقي الصالح، والزاهد التقي العابد الناجح، من أطبق الناس على فضله، واقتدى العموم بصدق قوله وفعله، إن نطق رأيت البيان متسرباً من لسانه، وأدركت من بيانه تمام عرفانه، حوى الكمالات وحازها، وتحقق حقائق العلوم ومجازها، فالفضل حشو ابراده، والنبل تلو إصداره وإيراده، مع نفس عذبت صفاء، وشيمة ملئت وفاء، ومذهب صفا صفاء التبر، وخلص من شوائب الخيلاء والكبر، وسعى لكل نجح، واستوى على ذروة التحصيل والربح، وأدبٍ زرت على صدر السنة جيوبه، وهبت بعرف النفس المطمئنة صباه وجنوبه.
ولد رضي الله تعالى عنه أثناء سنة ست ومائتين وألف، وشب في حجر والده، ويد العناية والرعاية تجذبه إلى أسنى مقاصده، وحينما بلغ سن التمييز وجهه والده لتعليم القرآن العزيز، عند الفاضل الكامل، والعالم العامل، الشيخ فتح الله أفندي فقرأ القرآن، ثم حفظه على تمام الإتقان، إلى أن صار يعتمد عليه فيه، ويطلب منه ما استتر من مشكلاته وخوافيه، وكان مواظباً على تلاوة آياته، في غالب أوقاته، وتفقه على علامة وقته الشيخ صالح الزجاج، والشيخ حسن العطار المصري الأزهري، والشيخ عبد الله الكردي، وغيرهم مما هو مذكور في ثبته، وقرأ كثيراً من العلوم الآلية والشرعية، على من تقدم وعلى سادة ذوي مقامات علية، وشهرة سنية، منهم علامة العلماء وفهامة القادة الفضلاء، الشيخ خالد الحضرة النقشبندي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ نجيب القلعي والشيخ عبد الرسول المكي والشيخ عمر المجتهد والشيخ عبد الغني السقطي وغيرهم من العلماء الأعلام، والفضائل الكرام، ولا زال يترقى في مدارج العلوم، حتى استوى على عرش المنطوق منها والمفهوم، ويشار بحل المشكلات إليه، ويعتمد في عويصات المسائل عليه، واعترف له مشايخه بالإجادة، وألزموه بالتدريس والإفادة.
ولما بلغ من العمر ثلاثين، طلبه أعيان أهل الميدان للقيام بوظائف الإمامة والخطبة والتدريس والتعليم في جامع كريم الدين، فتمنع جهده، وأظهر أن مطلوبهم ليس عنده، فاستعانوا عليه بشيوخه، واجتهدوا في طلبهم له لما يعلمون من تمكنه في العلم ورسوخه، فأجاب دعوة شيوخه في الحال، وقابل الأمر بالامتثال، وانتقل بعياله ومتاعه إلى الميدان، سنة ألف ومائتين وست وثلاثين وكان لهم به من الحظوة والسرور ما كان، فانقاد له الكبير والصغير، وأحبه الجليل والحقير، وقدموه على الملك والمال، والأهل والعيال، وكان هو لهم بمنزلة الوالد والشقيق، والرفيق الرفيق، يجل كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويعظهم بما ينفع، ويذب عنهم الأذى جهده ويدفع.
ومما وقع له من الأمور الغريبة، والحوادث النادرة العجيبة، أنه في سنة اثنتين وستين ومائتين وألف في رمضان، كان جالساً في حجرته قبيل الزوال يتدارس القرآن مع أحد أولاده، إذ جاءه رسول القاضي فقال له: إن القاضي يرومك فبادر لمراده، فقام ممتثلاً، وللإجابة مستعجلاً، فلما دخل عليه، نظر القاضي بعين المقت إليه، وقال له أنت الذي قد استملت الناس إليك، حتى صاروا لا يعتمدون في مصالحهم إلا عليك، وإن السلطان قد وجه حاكماً لمصالح العباد، وأنت قد حلت بيننا وبينها وهذا عدوان وفساد، وما زال يقرعه هو وأهل المحكمة، وينسبون إليه كل مفسدة ومظلمة، إلى أن أمر القاضي يحبسه في حبس الأشقياء الطغام، وقال له هذا جزاء من يتعرض لمصالح الحكام، ولم يصغ لقوله ولا لاعتذاره، بل كلما بالغ في تلطيفه بالغ في إنذاره، فاستدار حوله الأعوان، وأخذوه إلى الحبس وأسلموه للسجان، فدخل السجن وهو راض بالقدر، ليس في قلبه تغير ولا كدر، وجلس يتلو القرآن، وأهله وأولاده وعائلته ليس لهم خبر بهذا الطغيان، فما أذن العصر، إلا وقد شاع هذا الأمر، فقام الناس على ساق، وأظهروا حالة الخلاف والشقاق، ورعدت رعود الفتنة وسال سيلها، وانسحب على بهجة الأمن والركون ذيلها، وسدت الطرق من ورود الأفواج، حتى لم يبق لسالك من مسلك ولا لناهج من منهاج، وكل إنسان متقلد بأنواع السلاح، لا يصغي لعاذل ولا لاح، وكل من القاضي وأعوانه خال أنه بلغ مطلوبه، ونال من هذا الفاضل مرامه ومرغوبه، وأنه قد أدب فيه سواء، وجعله هدفاً لسهام من عداه، فلما صار الغروب توجه الناس لنصرة الدين أفواجاً، جاعلين ذلك لرضى مولاهم منهاجاً، فلما سمع القاضي بذلك، علم أنه أوقع نفسه بالمعاطب والمهالك، فندم حين لا ينفعه الندم، وفهم أن ما صنعه زلة قدم، فبادر للتوقع على السادات الأكابر، وهم يقولون له أنت متعنت مكابر، قد فتحت علينا للشر باباً أي باب، وسلكت سبيل الغي وأخطأت طريق الصواب، أظننت أنه بسبب فعلك هان، وأنه لا ينتطح له كبشان، فانظر ما وقع من سوء فعلك، والله يعلم ما يحصل لك وللناس من أجلك، فقال لقد أغراني أعواني، وألقوني في أودية ذلي وهواني، وقالوا لا تخش من تأديبه لأنه رجل حقير، لا يسأل عنه كبير ولا صغير، وإني الآن قد اعترفت بذنبي، وتبت إلى مولاي وربي، فأحضروه لأعتذر إليه، وأقبل رأسه ويديه، وها أنا ذا الآن لأمره مطيع، وعندكم في كف هذا الأمر وقيع، فعند ذلك اجتمع العلماء والأعيان، وتوجهوا وأمامهم نقيب الأشراف السيد أحمد أفندي العجلاني لإخراج المترجم من السجن بالعظمة والشان، فحينما دخلوا عليه، وقدموا جميل العبارات إليه، وطلبوا منه أن يعفو عن ظالمه، وأن يقابله بمراحمه، فقال أنا ما جرى لي ذلك إلا بذنب اقترفته، وإن كنت ما تذكرته ولا عرفته، ونسأل الله أن يعفو عنا، ويققبل صالح الأعمال منا، ثم ساروا جميعاً إلى دار النقيب، فحينما رآه القاضي بادره بالترحيب، وأبدى اعتذاره لديه، وعانقه وقبل يديه، ثم رجع إلى مكانه ومعه من الناس ألوف كثيرة، ولا زالوا يطلقون البارود بين يديه ويلعبون بالسيوف والسنان إلى أن وصلوا به إلى داره الشهيرة، ولم يمض بعد ذلك مدة أيام، إلا وأباد الله ذلك القاضي وأعوانه وأدار عليهم كؤوس الحمام.
ثم إنه في آخر شعبان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف قد حضر من السلطان الغازي عبد المجيد، مرسوم سني يأمر فيه بدعوة الوالد المترجم والشيخ عبد الرحمن الطيبي إلى الآستانة ويؤكد غاية التأكيد، فأحضرهما حضرة الوالي صفوتي باشا بالتعظيم وأخبرهما بما كان، وأعلمهما بأن السفر قد تعين ثامن رمضان، فتوجها على نفقة الملك الجليل، بكل إكرام وتعظيم وتبجيل، إلى أن دخلا القسطنطينية، دار المملكة السنية، فنزل كل منهما في مكان، ولاحظتهما عين الرفعة والإحسان، وكانت مشيخة الإسلام إذ ذاك لحضرة من تصرف من حين شبيبته بدراسة المعارف، وإفاضة العوارف، وكلف بالعلم حتى صار ملهج لسانه، وروضة أجفانه، السيد أحمد عارف حكمت بيك، فكان لوالدي منه الالتفات الوافر، والميل المتكاثر، وكان يكثر بينهم البحث والحديث، خصوصاً فيما يتعلق بالتفسير والحديث، فلذلك كان مقدماً عنده على ما سواه، وملحوظاً بعين عنايته ورضاه، وكل منهما أخذ عن الآخر وأجازه، وأسمعه حديث الأولية وذكر معناه وحقيقته ومجازه، ثم قرأ كل منهما الفاتحة، ودعوا لهما وللمسلمين بالدعوات الصالحة، وقد مدح الأستاذ الأعظم، شيخ الإسلام والمسلمين الأكرم والدي بهذه الأبيات على الارتجال، من غير إمهال، وهي:
يا قلب أبشر بما ترجوه من منن ... فقد حظيت بشهم كامل فطن
حليف علم إمام سيد ثقة ... أخلاقه الشم قد جاءت على سنن
فقلت للقلب هذا ما تؤمله ... لقد بلغت المنى والأنس من حسن
فأجابه سيدي الوالد حفظه الله، وأحسن مثواه، بقوله:
شمس المعارف تغنينا عن السرج ... ومهج الفضل لا يخفى لمن يلج
وطالع السعد لا يعروه كاسفة ... وعارف الدهر محفوظ من العوج
شيخ الأنام الذي طابت مآثره ... بحر الكمالات ذو الأمواج واللجج
فرع النبوة وصف الحسن لابسه ... فنوره ظاهر في وجهه البهج
شهم همام وللمختار نسبته ... فيا لها نسبة تسمو لمبتهج
رب المعارف والأبحاث شاهدة ... بكونه عارفاً حقاً بلا حرج
طود من العلم والإحسان جمله ... حلم به قد سما الأسمى من الدرج
بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا ... من فضله نظرة تدني من الفرج
يا مبتغي العلم لذ إن رمت ري صدى ... بمنهل بفنون العلم مبتهج
يا سائلي عن دليل الصدق في خبري ... شواهد الفضل لا تحتاج للحجج
فيمم الركب وانزل روض ساحته ... واشمم شذا طيبه الفياح بالأرج
فمنصب المجد فيه حاز غايته ... وقد سعى نحوه بالصدق واللهج

وكوكب السعد مسعود بطلعته ... يلوح في ذورة الأفلاك بالبلج
ومن يقف بالحمى نودي بلغت مني ... هذا الغياث ففز بالبشر والفرج
فالله يحفظه من كل نازلة ... ممتعاً بسرور عنه لم يعج
ما نال كل المنى في مدحه حسن ... معطراً من ثناه نفحة المرج
ثم إنه بعد تمام رمضان، قامت دواعي الأفراح من كل زوجين اثنان، وذلك لختان جلالة السلطان مراد والسلطان عبد الحميد شبلي مولانا المعظم أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد، وكان فراغ مواكب الختان، ذوات العظمة والشأن، نهار الجمعة حادي وعشرين من شوال، سنة ثلاث وستين ومائتين وألف من هجرة محمد شمس الكمال، وقد أنشد سيدي الوالد في تهنئة السلطان، ومؤرخاً ذلك الختان:
ظهر السرور وزالت الضراء ... وصفا الزمان ونجمه العلياء
وترنمت أطيار روضات الهنا ... بدوام عز لم يشبه فناء
وتراقصت أغصان هاتيك الربا ... حيث المغارس أرضها الفيحاء
وتدلت الزهر الكواكب فرحة ... وبدا الهناء ولم يصبه عناء
والناس طراً قد تزايد بشرهم ... وعلا الجميع بشارة حسناء
وعلى الرؤوس مشوا بأفخر حلة ... يا حبذا تلك الخطا الحسناء
وترى النجوم من البحور تصاعدت ... فكأنها للناظرين سماء
نغمات أنس بالتهاني أقبلت ... بترنم تسمو به الأرجاء
يا بهجة للعالمين بأسرهم ... حيث الأماكن زانها النجباء
بكواكب منها الخيام تزينت ... بشموس أفلاك هم الوزراء
وكذا الموالي للرحاب تواردوا ... والبشر فيهم قد علاه هناء
لما أنال الله بغيتنا بدا ... ملك الندى وعليه راق بهاء
فأراح أرواح الأنام ببشره ... وتروحت من نشره الأرجاء

عبد المجيد ولم يزل متمجداً ... بين البرايا سيفه الإمضاء
جمع الجموع ليشرفوا بجنابه ... وحضور سنة من هداه سناء
إلى أن قال:
فأدام عزهما بمجد أبيهما ... وكساهما حللاً لهن بهاء
وأدام سعد كمالهم طول المدى ... وأدامهم ما دامت الزهراء
ثم بعد الختان تكرر له الاجتماع بحضرة ذي العظمة والشأن، مولانا السلطان عبد المجيد خان، وعرضت عليه الدولة العلية إجراء معاش جزيل، فقال لم يبق في العمر إلا قليل.
ومن النوادر اللطيفة، والوقائع الظريفة، أني اجتمعت سنة ثمانين ومائتين وألف في مدينة غزة، بمفتيها حضرة الإمام الفاضل، والعلامة الكامل، السيد محيي الدين أفندي الحسيني، فكان من جملة المذاكرة أن حكى لنا أنه بعد انفضاض موكب الختان شرف حضرة تميمي أفندي مفتي مصر القاهرة إلى بلد الخليل للزيارة، وكان طريقه على غزة، فنزل في دار محيي الدين أفندي المرقوم، فسأله عن سفره إلى الآستانة واجتماعه بالسلطان وعن موكب الختان، فحكى له إلى أن قال له: ولما دخلنا مجلس السلطان للاجتماع معه وكان المجلس في غاية الاتساع، فأخذ كل منا مجلسه والسلطان بعد لم يحضر، والحاضرون كل منهم لا يعرف الآخر، وكل منهم يظن أن الحاضرين على غير لغته، فضاق صدري لذلك ولم أدر ما أفعل، إلى أن رأيت إنساناً عليه الهيبة والوقار، قد نظر إلى الخادم وقال: أسقني ماء مع أنه لم يرد ذلك، ولكن أراد أن يفتح للحاضرين باب معرفة في بعضهم مع بعض فعرفه الحاضرون بأنه عربي، فقمت إليه وقعدت بجانبه، وتكلمت معه، وعرف كل من الحاضرين من يفهم عليه، وانضم إليه، واشتغل كل منهم بالمذاكرة مع من يأنس به ويفهم لغته، وكان أصل ذلك هذا الإنسان فاستسميته فقال أنا من الشام واسمي حسن البيطار وهو المترجم المذكور واستسماني، ونلنا بعضنا مع بعض في هذا المجلس وبعده غاية الأنس والتهاني، ووجدته عالماً فاضلاً، وشهماً كاملاً، ومدح وأطنب، وأطال وأسهب اه، ولم يزل هذا المترجم في الآستانة معظماً مبجلاً، مكرماً مفضلاً، إلى أن حصل لهم الإذن الشريف بالعود إلى الوطن، مقلدين قلائد الفضل والمنن، وكان يوم السفر من الآستانة يوماً مشهوداً، وموكباً للاجتماع مقصوداًن اجتمع فيه للوداع السادات والأكابر، وذوو المراتب والمفاخر، وكان يوم دخوله إلى الشام يوم اجتماع وسرور، وهناء وحبور، كاد أن يقال ما بقي في الشام إنسان، إلا وقد خرج لاستقبال هذا الحبر المصان، وكانت مدة سفره أربعة أشهر، لأنه بدأ السفر في ثامن رمضان سنة ألف ومائتين وثلاث وستين، وانتهى سفره ثامن محرم الحرام سنة أربع وستين.
وكان رضي الله عنه مواظباً على التهجد وصلاة الفجر في الوقت الأول، وبعد الصلاة له أوراد لا يبرح عنها في سفر ولا حضر، منها أوراد الصباح والمساء الواردة في السنة، فإنه كان يقرأها صباحاً ومساء، ومنها أنه يقرأ في كل يوم من القرآن جزءاً، فيختم في كل ثلاثين يوماً القرآن بتمامه، ومنها قراءة حزب الإمام النووي كل يوم، ومنها قراءة الدور الأعلى وصلاة بن مشيش وقراءة سورة الكهف ومريم وطه ويس والدخان والواقعة وتبارك الملك وعم يتساءلون وسبح اسم ربك الأعلى وإنا أنزلناه والإخلاص والمعوذتين والفاتحة، وله أوراد عقب كل صلاة، وأوراد يقرأها في بعض الأيام، ليس له ملازمة عليها، وكان كثير الزيارة لمشاهد السادات، حسن الخلق يغلب عليه الزهد والإعراض عن الدنيا، وكان إذا تصعب أمر بين الناس من حقوق وغيرها بمجرد حضوره وتكلمه فيه ينقضي أمره على أحسن حال، وذلك لصفاء نيته وحسن سريرته.

وفي سنة سبع وستين ومائتين وألف توجهت معه إلى الحجاز، وكانت هذه المرة له المرة الثالثة، ورأيت منه في السفر ما يدل على سمو درجته، وكان له مع علماء الحجاز مذاكرات علمية، وأبحاث علمية، وأبحاث شريفة سنية، وكانوا يشهدون له بالفضل.
ولو أردت أن أذكر في هذه الكتابة ما حواه من الشمائل وما لديه، لأفضى الأمر إلى قصر هذا الكتاب عليه، ولكن ما لا يذكر كله، لا يترك كله. وفي ثاني وعشرين من شعبان سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف مرض في داء ذات الجنب، وفي ليلة رمضان سأل عن إثبات الشهر، فأخبرناه بإثباته فشرب في السحر ونوى، وأصبح يعالج سكرات الموت، فوضع له بعض عياله نقطة ماء في فمه، ففتح عينيه ومسح فمه، وأمرهن بالإشارة بعدم العود لمثل ذلك. ومات رضي الله عنه قبل الغروب بساعة ونصف، وكان آخر كلامه من الدنيا الذكر، وكان نزوله لرمسه مع قول المؤذن للمغرب الله أكبر، وقد حضر مشهد جنازته جمع عظيم، وعدد جسيم، وما ترى منهم إلا من دموعه ساكبة، وأحزانه متفاقمة دائبة، وأسفه متزايد، وزفيره متصاعد، وذلك كما تقدم في غرة رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف، ودفن رضي الله عنه في تربة باب الله بجانب قبر سيدنا تقي الدين الحصني من جهة الشمال، وقبره ظاهر مشهور يزار، ولقد رثاه حفيده ابن أخي الأديب الأريب الشيخ محمد بهاء الدين البيطار:
ما قر قلبي من نواك ولا سكن ... كلا ولا عمري أميل إلى سكن
غادرت لي مر الصبابة والأسى ... وسلبتني حلو المسرة والوسن
أسري وأبكي في المعاهد شاكياً ... وجدي فترثي لي الحمامة في الفنن
والوعتي ما للحمام بدافع ... حكم الذي علم السرائر والعلن
يا وحشة للشام مذ بان الذي ... فاق الأفاضل بالمعارف والفطن
بحر تفجر من عيون بنانه ... عذب البيان مسلسلاً من كل فن

إن لم يكن أهلاً لكل فضيلة ... ولملتج إن لم يكن غوثاً فمن
لله طلعة وجهه إذ طابقت ... لاسم له فلذاك يدعى بالحسن
سار المنون به ليسعد رمسه ... بمطالع الأنوار من شمس الزمن
بالله يا نعش الحبيب تمهلا ... أو ما علمت البدر غيب في الكفن
قسماً بغر خصاله لفراقه ... حن المصلي بعده وشكا وأن
والصحف تندبه لفقد جواهر ... كانت بها من قبل غالية الثمن
والدهر قمص من برود مصابه ... ثوباً له حاكته ناسجة المحن
صبراً لئن ظعن الحبيب فذكره ... فينا بحسن الوصف دوماً قد قطن
لما دعته الحور تخطبه لها ... كفوا كريماً مال عن دار الحزن
وافاه شهر الصوم ليلة نزعه ... فنوى وأمسك صائماً وفق السنن
وبيومه عند الغروب مغيبه ... في اللحد يرجو رحمة من ذي المنن
حيا ضريحاً ضمه وسقى ثرا ... هـ العنبري النشر وسمي الهتن
وأصابه الإحسان ما صب صبا ... لنسيم نجد ذاكراً عهد الأغن
وحباه صفو الأنس ما عام اللقا ... تاريخه روض الجنان له الوطن
وكثير من الناس من رثاه، وذكر بعضاً من صفاته وحلاه، ويكفي ما قد ذكرناه، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه. ولقد تشبهت بمن رثاه، ورثيته وإن كنت عاجزاً عن معرفة قدره وعلاه، فقلت، وعلى الله اعتمدت، وبحبله المتين اعتصمت.
غاب بدر العلوم تحت التراب ... وتوارت شمس العلا في الحجاب
ونعاه الناعون من كل فج ... مات قطب الشآم عالي الجناب

قل لمغتر بالحياة تنبه ... لرحيل فالعمر لمع سراب
لو حياة دامت لصاحب قدر ... لاستدامت لصفوة الأحباب
إن في ذا للعالمين لذكرى ... يتحلى بها ذوو الألباب
خل خل الملام وارث لحالي ... قد دهاني ما لم يكن في حسابي
مات روحي ووالدي وعياذي ... وملاذي وسيدي ومهابي
منذ أضحت منه الربوع رسوماً ... كان لي الدمع العندمي شرابي
كان سيفاً من الشريعة حدا ... موقعاً أرباب الشقاء في تباب
فد قلبي إغماده في قراب ... من تراب فاعجب لذاك القراب
كان ذخراً لكل دان وقاص ... ومجيراً من أمه من عقاب
ما اعتمادي على الزمان وقد أو ... دى بمولى عليه جل احتسابي
لو يكف البلا بساعد جود ... كان يفدى بالأهل والأتراب
ليس يدري الأنام من فقدوه ... فقدوا من بكته عين السحاب
حسن الاسم والمسمى أبي المجد ... سلسيل العلوم والآداب
جبل هائل المهابة راسي ... بحر علم غدا وسيع الرحاب
كفه من هواطل السحب أوفى ... وحماه ملجا ومنجى المصاب
كعبة الطالبين نيل المعالي ... عرفات لكل داع مجاب
ذو صلاة مرضية وصيام ... وقيام بالذل والانتحاب
واعتكاف تقول حين تراه ... ذا لعمري داود في المحراب
حسن الخلق يوسفي جمال ... لسن النطق مقصد الأنجاب
قد زكا محتداً وطاب نجارا ... وعلا قدره على الأتراب
خان دهري وغاب مذ غاب صبري ... وسقاني النوى مرير الشراب
سلبته الأيام قهراً وكانت ... طوع يمناه في الأمور الصعاب
شق قوم عند الخطوب جيوباً ... قلت شقوا القلوب عند مصابي

ما ظننا أيدي المنون ترقى ... لنوال الرفيع سامي الجناب
طود علم يسير فوق رقاب ... كيف تسعى الجبال فوق رقاب
غاب رشدي بفقد مولى نقي ... مستزيد من التقى أواب
يا هماماً حوى عظيم صفات ... وإماماً غدا نواك عذابي
مذ خلت من سناك زهر المعاني ... عاد وجه الأيام مثل الغراب
قد جفاني من بعد بعدك صبري ... ووفاني تحسري وانتحابي
ما رأى الناس قبل مثواك غماً ... غير يوم أعددته للذهاب
يوم هم يا ويحه واكئتاب ... وانتحاب وزفرة واضطراب
من لدرس العلوم بعد اندراس ... من لبث الفهوم للطلاب
شدت ركناً للمسلمين قوياً ... أوهنته طوارق الأحقاب
طالما ما خفت من فراقك حتى ... صاح بالبين طائر الاغتراب
لست أخشى مذ كنت حادث دهر ... صرت أخشى مذ غبت وقع الذباب
فتأمل موج البحور تجدها ... تلطم الخد في أكف الروابي
وشديد الرياح تسفي تراباً ... فوق هام ندباً على ذا العباب
قد فقدنا والله حصناً حصيناً ... وهماماً قطباً من الأقطاب
فعظيم على الفضائل أن تخفى ... وفي الناس طيب ذكراك راب
لست أسلو وأنت أصل وجودي ... وإلى فضلك الوسيع انتسابي
من يلمني إذا سمحت بروحي ... وعيالي وعصبتي وشبابي
رب صبراً والله إن فؤادي ... في عذاب وشدة والتهاب
حينما سار مسرعاً لقدوم ... بازدحام يحكي ازدحام الضباب
نادت الحور يا فريد مقام ... لك جئنا بالبشر والترحاب
خلت قبراً حللته مع أذان ... لغروب في شهر عتق الرقاب
ذاك قرب من محسن ذي جمال ... غافر الذننب للورى في الحساب
هذه رقدة بأوج جنان ... عند مولى الأرباب والأحباب

أحسن الله عنك صبر المعالي ... وعزاء الأتراب والأصحاب
وسقى روضة أويت إليها ... هاطلاً من مراحم الوهاب
وصلاة مع السلام دواماً ... لنبي بر فسيح الرحاب
وصحاب والآل مع تابعيهم ... ما دهانا بالبين داعي المآب
حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي.