أحمد بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا الحلبي الحنفي

تاريخ الولادة1285 هـ
تاريخ الوفاة1357 هـ
العمر72 سنة
مكان الوفاةحلب - سوريا
أماكن الإقامة
  • حلب - سوريا

نبذة

الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن عثمان بن محمد بن عبد القادر الزرقا الحلبي الحنفي. فقيه بلاد الشام، علامة عامل، فقيه، أصولي متبحر، قاضي المدينة وأمين الفتوى فيها، الجوهرة الثانية في سلسلة الذهب، كما وصفهم العلامة الأستاذ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ

الترجمة

الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن عثمان

بن محمد بن عبد القادر الزرقا الحلبي الحنفي✦✿✦

✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦

✿✦فقيه بلاد الشام، علامة عامل، فقيه، أصولي متبحر، قاضي المدينة وأمين الفتوى فيها، الجوهرة الثانية في سلسلة الذهب، كما وصفهم العلامة الأستاذ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ

✿✦ولد في أسرة أحبت العلم، وجعلت منه الهدف الأسمى في حياتها، فقد كان من توفيق الله لوالده الشيخ محمد أن صرفه عن العمل في التجارة إلى طلب العلم الشرعي، حتى غدا من كبار علماء حلب وفقهائها، وأسند إليه منصب أمانة الفتوى في حلب الشهباء، ثم عُين قاضياً للمدينة، ثم معاوناً لأمانة الإفتاء العام في القسطنطينية.

✦في هذه البيئة العلمية الصالحة، وفي أحضان ذلك العالم الجليل نشأ الشيخ أحمد، وتلقى مبادئ علومه على نخبة من الأساتذة والمربين، حيث تعلم تلاوة القرآن الكريم، وأطرافاً من العلوم العربية والشرعية، وما أن شبّ وأصبح قادراً على الاستفادة من والده، حتى لزمه وانقطع إليه، ينهل من علومه الثرة، وفتح الأب الشيخ قلبه وصدره لابنه وتلميذه الشاب، وراح يصبّ في صدره الرحب من علومه الغزيرة، إذ وجد فيه الاستعداد التام لتقبل ما يمليه عليه، بل وجد فيه من الاجتهاد في التحصيل ما أثار إعجابه فخصه بالعناية، وقرأ له أمهات الكتب في الفقه والحديث والتفسير ككتاب (رد المحتار على الدر المختار)، المعروف: (بحاشية ابن عابدين)، وهو من أعظم كتب الفقه عند الحنفية، وقد قرأه له كاملاً أكثر من مرتين خلال عشرين سنة، وكتاب (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع)، للإمام الفقيه أبي بكر الكاساني.

✿✦نبغ الشيخ أحمد، وذاع صيته، وعلت مرتبته، وعين مدرساً للفقه الحنفي في: (المدرسة الخسروية) في صفوفها العليا.

✿✦لما كبر والده الشيخ محمد، وضعف جسمه عن متابعة نشر العلم بين طلابه، أسند وظائفه في التدريس إلى ولده المترجم، ذلك لما رأى فيه من الأهلية لذلك، فكانت له دروس منتظمة في الجامع الأموي الكبير، وفي المدرسة (الشعبانية) وفي، جامع الخير (آل الأميري)، وغيرها من مساجد حلب ومدارسها.

✿✦كان الشيخ مع تضلعه في الفقه محباً للأدب العربي، يكثر من قراءة كتبه، ويحفظ الكثير من أشعار العرب القدامى وأخبارهم، ويرويها في مجالسه، وإن كان لا يقرض الشعر، ولم يمارس نظمه إلا يسيراً، فقد ذكر الأستاذ مجد مكي في مقدمته لكتاب (فتاوى مصطفى الزرقا) بيتين قالهما على لسان ولد له، توفي صغيراً يقول فيهما:

أبي إن ثكلت فلست أول ثاكل

فيه تأسَ، ولا تكن ذا حسرة

قبــلاً أصيب نبينــا ببنيــه

فالصبـر أجمـــلُ حلة لنبيـه

✦ومن التأمل في هذين البيتين، نجد أن المترجم يملك موهبة شعرية ومقدرة على قرض الشعر، وربما أعرض عن هذا تورعاً أو انشغالاً بما هو فيه من الفقه والعلوم الشرعية الأخرى.

✿✦أما مكانته العلمية، فسأدع الحديث عنها لبعض شيوخنا الأجلاء الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا العلم عنه.

يقول شيخنا الشيخ محمد زين العابدين الجذبة ـ رحمه الله ـ: " الشيخ أحمد الزرقا شيخ لا يشبه شيوخنا، إذا تكلم في الفقه، رأيت فيه العالم المحقق المتضلع، الذي يستطيع أن يبدي رأيه، ويناقش فيه، ويدافع عنه بعلم وخبرة وبصيرة، لا عن عناد وجهل، فهو فقيه حقاً، قليل أمثاله، وكان يجمع إلى علمه في الفقه أنواعاً من العلوم في الحديث والتفسير، لكن هذا الرجل له اهتمام كبير بالأدب، فكان يحفظ كثيراً من أشعار العرب، ويرويها لنا ليحمض مجلسنا ـ يجعل فيه نوع المرح ـ ويشيع فيه الراحة والمرح، وكان يحب تلاميذه، وربما دعاهم إلى بعض البساتين القريبة من حلب ليقدم لهم أطايب الطعام التي ما كانوا يحلمون بمثلها ".

✿✦وعن علم الرجل وتواضعه حدثني شيخنا الشيخ أحمد قلاش (حفظه الله وأمتع به)، فقال: " كنت شافعي المذهب، وكنت أتوق إلى حضور مجالس الشيخ أحمد الزرقا، لما عُرف عنه من العلم والفضل والأدب، ويوماً أخذت دفتري وذهبت إلى (جامع الخير)، لأحضر مجلس الشيخ، فلما رآني في نهاية المجلس الذي غص بالعلماء وطلبة العلم، ناداني: يا شيخ أحمد؛ أنت شافعي، فما حضورك في مجلسنا؟.. قلت: يا سيدي جئت أستفيد من علمكم، فأجابني بكل تواضع وأمام هذا الحشد من طلابه: لقد استسمنت ذا ورم يا بني ".

✿✦ويقول الشيخ محمد الحامد : "... لم أجلس إلى أفقه منه... كان يتفجر علماً، ويتفتح تحقيقاً ويجري معرفة كالوادي إذا سال، ولكأن الفقه كان أمامه يأخذ منه ما يشاء، ويترك منه ما يشاء، وأشهد أنه كان وقافاً عند حدود الله في بياناته العلمية، فإن عرض له إشكال طلب إلينا أن نكتبه له، ثم يضعه في ثنايا عمامته، ويأتينا في الغد بالقول الفصل، وكان يقول: " العلم أمانة"... ولم يكن من أهل الشطح والكبر، الذين ينكرون فضل الفضلاء السابقين، فيقول:(استرحنا من حيث تعب الكرام)".

✿✦أما الأستاذ مجد مكي فيقول: (كان والد الشيخ مصطفى الزرقا فقيهاً لا يكاد يوجد كتاب من كتب الفقه وأمهاتها الأولى إلا ودرسه دراسة، بل وحرثه حراثة، ولا يعلم بعد جده ـ رحمه الله تعالى ـ مثل والده في سعة الاطلاع، وجودة الفهم، ودقة النظر في تخريج وتنزيل المسائل والحوادث على القواعد".

✿✦كان الشيخ ـ رحمه الله ـ يعلم طلابه التواضع، واحترام العلماء ويؤدبهم على احترام الأئمة الكبار من السلف الصالح، وكثيراً ما كان يردد في حلقات دروسه: (إنني أتصور الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ جبلاً من العلم).

✿✦لم يكن الشيخ مع انصرافه إلى العلم والأدب غافلاً عما يدور حوله من مؤامرات ودسائس، يحوكها أعداء الأمة من المستعمرين وأذنابهم، وما يسعون إليه من إخضاع أبنائها، وصرفهم عن تعلم العلوم الكونية والعصرية، أو نهب تراثها من كتب نفيسة مخطوطة أو مطبوعة، فكنتَ تراه سائراً على رأس المظاهرات المنددة بالمستعمرين وأعمالهم، متعاوناً مع رجال الثورة الوطنيين، ومشجعاً لولده ولأبناء جيله على تعلم اللغة الفرنسية والعلوم الكونية، ليكون ذلك سلاحاً في أيديهم ضد الأعداء، وعندما (اضطر الشيخ إلى بيع مكتبته النفيسة التي تضم نحو ألف مخطوط جاءته عروض من جهات أوربية، وكان سماسرتهم منتشرين في العالم الإسلامي يقتنصون الفرص لنقل تراث الأمة ـ أو ما تبقى منه ـ إلى الدول الغربية وعرضت عليه أسعار مغرية، وهو في حاجة آنذاك، فأبى ـ رحمه الله تعالى قبول هذه العروض، وباع مكتبته القيمة إلى المكتبة العامة في مدينة الإسكندرية في مصر، وكان السعر أدنى والفرق واضح).

✿✦ كان يتمتع به من العلم الغزير والمعرفة المنوعة، إلا أنه لم يترك لنا من الآثار المكتوبة سوى مؤلفه الوحيد:

(شرح القواعد الفقهية) ولقد استفرغ منه جهده، وعمل فيه أكثر من عشرين عاماً، حيث كان يدرّس طلابه في (المدرسة الخسروية) كتاب (القواعد الفقهية) التي صدرت بها (مجلة الأحكام العدلية)، وهي تسع وتسعون قاعدة، كان الشيخ يعيد شرحها لطلابه الجدد كل عام، خلال هذه الفترة، حتى استقام له شرحها، فدوّنه في هذا الكتاب فكان بحق (أفضل شرح لها حتى الآن) .

✦وإذا كان الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ لم يترك سوى هذا الكتاب القيم، فلقد ترك في هذه المدينة المباركة كثيراً من الطلاب الذين فضلوا ونبه ذكرهم في العلم والسياسة والإدارة يعدون بالمئات، نذكر منهم على سبيل المثال ابنه العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة وشيخنا الشيخ محمد السلقيني، وشيخنا المفتي الشيخ محمد عثمان بلال وشيخنا الشيخ محمد زين العابدين الجذبة، وشيخنا مفتي مدينة حلب الشيخ محمد الحكيم، وشيخنا الشيخ أحمد القلاش، وشيخنا الأديب الشيخ بكري رجب، والشيخ الدكتور معروف الدواليبي، والشيخ محمد الرشيد، والشيخ سعيد المسعود، وغيرهم كثير.

✿✦جميل الطلعة، طويل القامة، حسن الثياب والهندام والمظهر، منور الشيبة، وقور في مشيته ومجلسه وحديثه، لا تشبع العين منه رؤية ونظراً يتحلى بإباء وشمم ورجولة كاملة، وحصافة وافرة، وإذا دعت الحاجة إلى الوقوف في وجه باطل أو مبطل كان موقفه أثبت من الجبل الراسي، في نصرة الحق ودفع معاديه) .

✿✦ظل - رحمه الله تعالى- قائماً على أمر التدريس، ونشر العلم والدعوة إلى الله، إلى أن وافته المنية، صباح يوم الأربعاء، في الرابع عشر من جمادى الآخرة، سنة: سبع وخمسين وثلاثمئة وألف للهجرة النبوية الشريفة ودفن في ساحة (جامع الملاخانة).

✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦

-- مشاركة من صفحة الأستاذ محمد عدنان كاتبي

✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦✿✦✦

--المراجع والمصادر

1- إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء، للشيخ راغب الطباخ.

2- تاريخ الإفتاء في حلب الشهباء، للمؤلف محمد عدنان كاتبي

3- سجلات المدرسة الخسروية (الثانوية الشرعية).

4- شرح قواعد الأحكام للمترجم له.

5- العلامة المجاهد محمد الحامد للأستاذ عبد الحميد طهماز.

6- فتوى الشيخ مصطفى الزرقا، للأستاذ مجد أحمد مكي.

7- مجلة منار الإسلام العدد: الأول محرم 1424.

8- مجلة النور العدد: /210/ شعبان 1423.

9- مقابلات شفهية مع عدد من تلاميذ المترجم له أهمها: مقابلة شيخنا الشيخ محمد زين العابدين الجذبة، وشيخنا الشيخ أحمد القلاش.