عمرو بن عثمان بن قنبر أبي بشر

سيبويه

تاريخ الولادة148 هـ
تاريخ الوفاة180 هـ
العمر32 سنة
مكان الولادةشيراز - إيران
مكان الوفاةشيراز - إيران
أماكن الإقامة
  • فارس - إيران
  • البصرة - العراق

نبذة

سيبويه أبو بشر ؛ ويقال: كنيته أبو الحسن، وأبو بشر أشهر. وكان مولى بني الحارث بن كعب. وقال المرزباني: كان مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وسيبويه لقب له، ومعناه بالفارسية "رائحة التفاح". ويقال: إن أمه كانت ترقصه وهو صغير [بذلك] . وكان من أهل فارس، من البيضاء؛ ومنشؤه بالبصرة، وكان يطلب الآثار والفقه.

الترجمة

سيبويه
قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، فقال حماد يوماً: قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ليس أحدٌ من أصحابي إلاّ وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء"، فقال له [حماد] : لحنت، "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً، وطلب النحو.
وأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر وغيرهم. وبرع في النحو، وصنف كتابه الذي لم يسبقه أحدٌ على مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده.
وقال أبو العباس المبرد: ذكر سيبويه عند يونس بن حبيب البصري، فقال: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل! فقيل له: وقد روى عنك أشياء فانظر فيها؛ فنظر فيها، وقال: صدق في جميع ما قال، هو قولي.
قال نصر بن علي: وبرز من أصحاب الخليل أربعة: عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر [الجهضمي] ، ومؤرج السدوسي، وكان أبرعهم في النحو سيبويه، وغلب على النضر بن شميل اللغة، وعلى مؤرج الشعر واللغة، وعلى علي بن نصر الجهضمي الحديث.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان سيبويه وحماد بن سلمة أكبر في النحو من النضر بن شميل والأخفش، وكان النضر بن شميل أعلم الأربعة بالحديث.
وقال ابن سلاّم: كان سيبويه النحوي غاية في الخلق، وكتابه في النحو هو الإمام فيه.
وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد [شيئاً] أشرف من كتاب سيبويه، فقلت له: أردت أن أهدي لك شيئاً، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر شيئاً أشرف من هذا الكتاب [وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء] ، فقال: والله ما أهديت إلي شيئاً أحب لي منه.
وكان يقال بالبصرة "قرأ فلان الكتاب" فيعلم أنه كتاب سيبويه، و"قرأ نصف الكتاب"، فلا يشك أنه كتاب سيبويه.
وكان أبو العباس المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه، يقول له: هل ركبت البحر! تعظيماً لكتاب سيبويه واستصعاباً لما فيه.

وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.
قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شاباً جميلاً نظيفاً، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنة وبراعته في النحو؛ فبينا نحن ذات يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثم عاد فقال: ما ثبتت على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: "قد تذاءبت الريح" وتداءبت الريح، أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من هاهنا وههنا، ليخيل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب.
قال أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد: قال ابن كيسان: سهرت ليلة أدرس فنمت، فرأيت جماعة من الجن يتذاكرون الفقه والحديث والحساب النحو والشعر، [قال] : فقلت لهم: أفيكم علماء؟ قالوا: نعم، فقلت من همي [في] النحو: إلى من تميلون من النحويين؟ قالوا: إلى سيبويه. قال أبو عمر: فحدثت بها أبا موسى - وكان يغبطه لحسدٍ كان بينهما - فقال لي أبو موسى: إنما مالوا إليه؛ لأن سيبويه من الجن.
وقال محمد بن سلاّم: كان سيبويه جالساً في حلقة بالبصرة، فتذاكرنا شيئاً من حديث قتادة، فذكر حديثاً غريباً، وقال: لم يرو هذا الحديث إلاّ سعيد بن أبي العروبة، فقال له بعض ولد جعفر: ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر؟ فقال: هكذا يقال؛ لأن العروبة يوم الجمعة، فمن قال: "عروبة" فقد أخطأ. قال ابن سلاّم: فذكرت ذلك ليونس، فقال: أصاب لله دره! وأخذ عنه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو علي بن المستنير المعروف بقطرب؛ وكان أبو الحسن الأخفش أكبر سنّاً من سيبويه.
ويروى أنه جاءه الأخفش يوماً يناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد منك، فقال له سيبويه: أتراني أشك في ذلك! وورد سيبويه إلى بغداد، وناظر بها الكسائي وأصحابه، والمناظرة مشهورة.
قال أبو بكر العبدي النحوي: لما قدم سيبويه إلى بغداد - وناظر الكسائي وأصحابه فلم يظهر عليه - سأل عمن يبذل من الملوك ويرغب في النحو، فقيل له طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضه الذي مات فيه، فتمثل عند الموت:
يؤمب دنيا ليبقى بها ... فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثاً يروي أصول النخي ... ل فعاش الفسيل ومات الرجل
وقال أبو عمرو بن يزيد: احتضر سيبويه النحوي، فوضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، قال: فدمعت عين أخيه، فأفاق فرآه يبكي، فقال:
أخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى الغاية القصوى فمن يأمن الدهرا

ومات في أيام الرشيد.
وقال ابن قانع: مات سيبويه النحوي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة.
وقال المرزباني: أخبرنا أبو بكر بن دريد أن سيبويه مات بشيراز، وقبره بها، وقيل: إنه مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
وقرئ على ظهر كتاب لأحمد بن سعيد الدمشقي: مات سيبويه سنة أربع وتسعين ومائة؛ والأول أشبه، لأنه مات قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، على ما سنذكره في موضعه.
قال أبو بكر بن الخطيب: ويقال: إن سيبويه عاش اثنتين وثلاثين سنة، ويقال: مات سيبويه وقد نيف على الأربعين سنة.

 

 

 

 

سيبويه:
إِمَامُ النَّحْوِ، حُجَّةُ العَرَبِ، أبي بِشْرٍ عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ بنِ قَنْبَرٍ الفَارِسِيُّ، ثُمَّ البَصْرِيُّ.
وَقَدْ طَلَبَ الفِقْهَ وَالحَدِيْثَ مُدَّةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى العَرَبِيَّةِ، فَبَرَعَ وَسَادَ أَهْلَ العَصْرِ، وَأَلَّفَ فيها كتابه الكبير الذي لاَ يُدْرَك شَأْوُهُ فِيْهِ.
اسْتَمْلَى عَلَى حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ: عِيْسَى بنِ عُمَرَ، وَيُوْنُسَ بنِ حَبِيْبٍ، وَالخَلِيْلِ، وَأَبِي الخَطَّابِ الأَخْفَشِ الكَبِيْرِ.
وَقَدْ جَمَعَ يَحْيَى البَرْمَكِيُّ بِبَغْدَادَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الكَسَائِيِّ لِلْمُنَاظَرَةِ، بِحُضُوْرِ سَعِيْدٍ الأَخْفَشِ، وَالفَرَّاءِ، وَجَرَتْ مَسْأَلَةُ الزُّنْبُورِ، وَهِيَ كَذِبٌ: أَظُنُّ الزُّنْبُورَ أَشَدَّ لَسْعاً مِنَ النَّحْلَةِ، فَإِذَا هُوَ إِيَّاهَا. فَقَالَ سِيْبَوَيْه: لَيْسَ المَثَلُ كَذَا، بَلْ: فَإِذَا هُوَ هِيَ. وَتَشَاجَرَا طَوِيْلاً، وَتَعَصَّبُوا لِلْكَسَائِيِّ دُوْنَه، ثُمَّ وَصَلَه يَحْيَى بِعَشْرَةِ آلاَفٍ، فَسَارَ إِلَى بِلاَدِ فَارِسٍ، فَاتَّفَقَ مَوْتُهُ بِشِيْرَازَ، فِيْمَا قِيْلَ.
وَكَانَ قَدْ قَصَدَ الأَمِيْرَ طَلْحَةَ بنَ طَاهِرٍ الخُزَاعِيَّ.
وَقِيْلَ: كَانَ فِيْهِ مَعَ فَرْطِ ذَكَائِهِ حُبْسَةٌ فِي عِبَارَتِه، وَانطِلاَقٌ فِي قَلَمِه.
قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سُمِّيَ سِيْبَوَيْه؛ لأَنَّ وَجْنَتَيْهِ كَانَتَا كَالتُّفَاحَتَيْنِ، بَدِيعَ الحُسْنِ.
قَالَ أبي زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَانَ سِيْبَوَيْه يَأْتِي مَجْلِسِي، وَلَهُ ذُؤَابَتَانِ، فَإِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، فَإِنَّمَا يَعْنِيْنِي.
وَقَالَ العَيْشِيُّ: كُنَّا نَجلِسُ مَعَ سِيْبَوَيْه فِي المَسْجِدِ، وَكَانَ شَابّاً جَمِيْلاً، نَظِيْفاً، قَدْ تَعلَّقَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ بِسَبَبٍ، وَضَرَبَ بِسَهْمٍ فِي كُلِّ أَدَبٍ مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ.
وَقِيْلَ: عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً. وَقِيْلَ: نَحْوَ الأَرْبَعِيْنَ. قِيْلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَمائَةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ. وقيل: سنة ثمانٍ وثمانين ومائة.
سير أعلام النبلاء - لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي


 

 

 

سِيبَوَيْهٍ عَمْرو بن عُثْمَان بن قنبر

يُكنى أَبَا بشر، مولى لبني الْحَارِث.
ولد بقرية من قرى شيراز، يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء.
وَقد الْبَصْرَة يكْتب الحَدِيث، فَلَزِمَ حَلقَة حَمَّاد بن سَلمَة، فاستملى مِنْهُ يَوْمًا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " لَيْسَ أحد من أَصْحَابِي إِلَّا لَو شِئْت أخذت عَلَيْهِ، لَيْسَ أَبَا الدَّرْدَاء "، فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَيْسَ أَبُو الدَّرْدَاء.
فَقَالَ لَهُ أَبُو حَمَّاد: لحنت يَا سِيبَوَيْهٍ، لَيْسَ هَذَا حَيْثُ ذهبت، " لَيْسَ " اسْتثِْنَاء.
فَقَالَ: سأطلب علما لَا تلحنني فِيهِ. فَلَزِمَ الْخَلِيل.
وروى عبيد الله بن معَاذ، قَالَ: جَاءَ سِيبَوَيْهٍ إِلَى حَمَّاد فَقَالَ: أحدثَّك هِشَام عَن أَبِيه، فِي رجل رعُف فِي الصَّلَاة فَانْصَرف.
فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت، إِنَّمَا هُوَ " رَعَف ".
فَانْصَرف إِلَى الْخَلِيل، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صدق حَمَّاد.

قَالَ المَخْزُومِي، وَكَانَ كثير المجالسة للخليل: مَا سمعته يَقُول: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ. إِلَّا لسيبويه.
وَقَالَ النطاح: كنت عِنْد الْخَلِيل يَوْمًا، فَأقبل سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ الْخَلِيل: مرْحَبًا بزائرٍ لَا يُمَلُّ.
وَقَالَ ابْن عَائِشَة: كُنَّا نجلس عِنْد سِيبَوَيْهٍ النحويِّ فِي الْمَسْجِد - يَعْنِي مَسْجِد الْبَصْرَة - وَكَانَ شَابًّا جميلاً لطيفاً، قد تعلق من كل علم بِسَبَب، مَعَ براعته فِي النَّحْو، فَبَيْنَمَا نَحن عِنْده ذَات يَوْم، هبت ريح أطارت وَرقا كَانَ بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ أهل الْحلقَة: انْظُر أَي ريح هِيَ؟ فَقَامَ لذَلِك، وَكَانَ على مَنَارَة الْمَسْجِد مِثَال فرس من صفر: ثمَّ عَاد، فَقَالَ مَا تثبت الْفرس على شَيْء.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: الْعَرَب تَقول فِي مثل هَذَا: تذاءب الرّيح، أَي فعلت فعل الذِّئْب، يَجِيء من هَاهُنَا وَهَاهُنَا، تختل ليتوهم النَّاظر أَنه عدَّة ذئاب.
وَقَالَ ابْن سَلام فِي " كِتَابه ": كنت جَالِسا فِي حَلقَة سِيبَوَيْهٍ، فِي مَسْجِد الْبَصْرَة، فتذاكرنا شَيْئا من حَدِيث قَتَادَة، فَذكر حَدِيثا غَرِيبا، وَقَالَ: لم يرو هَذَا إِلَّا سعيد بن أبي العَرُوبة.
فَقَالَ بعض ولد جَعْفَر بن سُلَيْمَان: مَا هَاتَانِ الزائدتان يَا أَبَا بشر؟
فَقَالَ: هَكَذَا؛ لِأَن العَرُوبة الْجُمُعَة، وَمن قَالَ: عرُوبَة فقد أَخطَأ.

قَالَ ابْن سَلام: فَذكرت ذَلِك ليونس، فَقَالَ: صدق، لله درُّه.
وَقَالَ أَحْمد بن مُعَاوِيَة بن بكر العليمي: سَمِعت أبي يَقُول: سِيبَوَيْهٍ أثبت من أَخذ من الْخَلِيل، وَكَانَت فِيهِ حُبْسة، كَانَ علمه أبلغ من لِسَانه.
وروى عَن أبي زيد، قَالَ: كَانَ سِيبَوَيْهٍ يَأْتِي مجلسي، فَإِذا سمعته أَو وجدته يَقُول: حَدثنِي الثِّقَة، أَو من أَثِق بِهِ. فإياي يَعْنِي.
وَقَالَ سعيد الْأَخْفَش: كَانَ يعرض عليَّ مَا يعْمل من كِتَابه، وَكَانَ أعلم مني، وَأَنا الْيَوْم أعلم مِنْهُ.
قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن: مَا كنت أستحب لسَعِيد أَن يَقُول ذَلِك، لِأَنَّهُ يتَعَرَّض لقَوْل الشَّاعِر:

أُعَلِّمُه الرِّمايَة كُلَّ يَوْمٍٍ ... فلمَّا اسْتَدَّ ساعِدُه رَمَانِي
ويروى بالشين مُعْجمَة.
وَقَالَ الْأُخَر:
ولمِّا أنْ فَككْتُ الغُلَّ عَنهُ ... وأفْلَتَ قَالَ أيُّ فَتىً تَرانِي
وروى مُحَمَّد بن حسن الزبيدِيّ، قَالَ: قَالَ العسكري: سِيبَوَيْهٍ اسْم فَارسي، فالسِّي ثَلَاثُونَ، وبويه رَائِحَة، كَأَنَّهُ فِي الْمَعْنى ثَلَاثُونَ رَائِحَة: وقرأت على أبي مُحَمَّد بن مِسْعر، رَحمَه الله تَعَالَى، من خطه: قَالَ أَبُو الْقَاسِم الزجاجي: اُخْبُرْنَا عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ حَدثنَا ثَعْلَب، قَالَ: حَدثنِي سَلمَة، قَالَ: قَالَ الْفراء: قدم سِيبَوَيْهٍ على البرامكة، فعزم يحيى على الْجمع بَينه وَبَين الْكسَائي، فَجعل لذَلِك يَوْمًا، فَلَمَّا حضر تقدّمت أَنا والأحمر، فَدَخَلْنَا، فَإِذا بمثال فِي صدر الْمجْلس، فَقعدَ عَلَيْهِ، وَمَعَهُ إِلَى جَانب الْمِثَال جَعْفَر وَالْفضل، وَمن حضر بحضورهم.

قَالَ: وَحضر سِيبَوَيْهٍ، فَأقبل عَلَيْهِ الْأَحْمَر، فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة، فَأجَاب فِيهَا سِيبَوَيْهٍ.
فَأقبل عَلَيْهِ الْأَحْمَر، فَقَالَ: أَخْطَأت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن ثَانِيَة، فَأجَاب فِيهَا.
فَقَالَ الْأَحْمَر: أَخْطَأت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن ثَالِثَة، فَأَجَابَهُ فِيهَا.
فَقَالَ لَهُ: أَخْطَأت.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا سوء أدب.
قَالَ الْفراء: فَأَقْبَلت عَلَيْهِ، فَقلت: إِن ي هَذَا الرجل حدَّة وعجلة، وَلَكِن مَا تَقول فِيمَن قَالَ: هَؤُلَاءِ أبون. ومررت بأبين، كَيفَ تَقول على مِثَال ذَلِك من وأيت وأويت.
فقدَّر، فَأَخْطَأَ.
فَقلت: أعد النّظر.
فقدَّر، فَأَخْطَأَ.
فَقلت: أعد النّظر. ثَلَاث مَرَّات، وَلَا يُصِيب.
فَلَمَّا كثر ذَلِك عَلَيْهِ، قَالَ: لست أُكلمكما حَتَّى يحضر صاحبكما، حَتَّى أُناظره.
فَحَضَرَ الْكسَائي، فَأقبل على سِيبَوَيْهٍ، فَقَالَ: تَسْأَلنِي أَو أَسأَلك؟

فَقَالَ: بل سلني أَنْت.
فَأقبل عَلَيْهِ الْكسَائي، فَقَالَ: كَيفَ تَقول: " كنت أَظن أَن الْعَقْرَب أشدُّ لسعة من الزنبور، فَإِذا هُوَ هِيَ، أَو فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا "؟
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَإِذا هُوَ هِيَ. وَلَا يجوز النصب.
فَقَالَ لَهُ الْكسَائي: لحنت.
ثمَّ سَأَلَهُ عَن مسَائِل من هَذَا النَّحْو: خرجت فَإِذا عبد الله القائمُ والْقائِمَ.
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: ذَلِك كُله بِالرَّفْع دون النصب.
فَقَالَ الْكسَائي: لَيْسَ هَذَا كَلَام الْعَرَب، ترفع ذَلِك وتنصبه.
فَدفع سِيبَوَيْهٍ قَوْله.
فَقَالَ يحيى بن خَالِد: فقد اختلفتما، وأنتما رَئِيسا بلديكما فَمن ذَا يحكم بَيْنكُمَا؟
فَقَالَ لَهُ الْكسَائي: هَذِه الْعَرَب ببابكم قد اجْتمعت من كل أَوب، ووفدت عَلَيْك من كل صقع، وهم فصحاء النَّاس، وَقد قنع بهم أهل المصرين، وَسمع أهل الْكُوفَة وَأهل الْبَصْرَة مِنْهُم، فيحضرون ويسألون.
قَالَ يحيى وجعفر: قد أنصفت.
وَأمر بإحضارهم، فَدَخَلُوا، وَفِيهِمْ أَبُو فقعس، وَأَبُو ثروان، وَأَبُو الجرَّاح، وَأَبُو زِيَاد، فسُئلُوا عَن الْمسَائِل الَّتِي جرت بَين الْكسَائي وسيبويه، فتابعوا الْكسَائي وَقَالُوا بقوله.
فَأقبل يحيى على سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ لَهُ: قد تسمع أَيهَا الرجل؟
فاستكان سِيبَوَيْهٍ.
فَأقبل الْكسَائي على يحيى، وَقَالَ لَهُ: أصلح الله الْوَزير، إِنَّه قد وَفد عَلَيْك من بَلَده مؤملاً، فَإِن رَأَيْت أَن لَا تردَّه خائباً.
فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
فَخرج، وصيَّر وَجهه إِلَى فَارس، فَأَقَامَ هُنَالك، وَلم يعد إِلَى الْبَصْرَة.
قَالَ ثَعْلَب: إِنَّمَا أَدخل الْعِمَاد فِي هَذَا لِأَن " فَإِذا " مفاجأة، أَي فَوَجَدته ورأيته، وَوجدت وَرَأَيْت تنصب شَيْئَيْنِ، فَلذَلِك نصب الْعَرَب، انْتهى الْخَبَر.
قَالَ أَبُو الْقَاسِم: ونقول فِي ذَلِك: أما حِكَايَة الْفراء عَن الْأَحْمَر عَن الْمسَائِل، وَأَنه قد أجَاب، فقد شهد بإجابته، فَلَا يُلتفت إِلَى قَوْله: أَخْطَأت، وَأَيْضًا فَلم يذكر الْمسَائِل وَالْجَوَاب ليعلم وَجه الْخَطَأ من الصَّوَاب، وَهَذَا كَلَام أبي الْقَاسِم وَمَعْنَاهُ.
قلت: فَكَذَلِك الْجَواب عَن قَول الْفراء، كَيفَ يَقُول على مَذْهَب من قَالَ: " هَؤُلَاءِ أبون " و " رَأَيْت أبين " مثله من وأيت وأويت. قد كَانَ يجب أَن يكون ذكر تَقْدِيره الَّذِي أَخطَأ فِيهِ ثَلَاثًا، ليُعلم خطأ أم صَوَاب، كَمَا ذكر جَوَابه عَن مَسْأَلَة الْكسَائي، وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز عِنْد أحد من الْبَصرِيين غير مَا قَالَ، فهم أَيْضا يرونه صَوَابا، وَإِنَّمَا يجيزن النصب فِي قَوْلهم " كنت أَظن الزنبور أَشد لسعة من الْعَقْرَب، فَإِذا هُوَ هِيَ "، فَيَقُولُونَ: " فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا "، يأْتونَ بِالْكِنَايَةِ عَن الْمَنْصُوب، وأراهم إِنَّمَا حملُوا ذَلِك على إجازتهم الْحَال أَن يكون معرفَة.
وَلَيْسَ هَذَا الْكتاب مِمَّا يَنْبَغِي أَن يذكر فِيهِ بطلَان قَوْلهم فِي الْحَال.
وَأما قَول الْفراء لسيبويه: كَيفَ تَقول على مَذْهَب من قَالَ " هَؤُلَاءِ أبون " من وأى وَأَوَى، فإنَّ الْجَواب عَنهُ: أَن مِثَال " أَب " فِي الأَصْل فعل، فَإِذا بنيت مِثَاله من " وأى " كَانَ على مِثَال الْفِعْل الْمَاضِي مِنْهُ، وَكَذَلِكَ " أَوَى " فَيخرج جمعه إِلَى بَاب جمع مصطفى، فَإِذا جمعت " أَوَى " جمع السَّلامَة، قلت فِي الرّفْع: " هَؤُلَاءِ أوون " كَمَا تَقول: " مصطفون ". و " رَأَيْت أوين " مثل " مصطفين "، وَالْوَاو فِيهِ فَاء والهمزة الْعين وَاللَّام يَاء.
وسها الزّجاج فِي قَوْله: وَإِن كَانَت واواً فَلَنْ تصح؛ لِأَن الْوَاو لم يجِئ مِنْهَا مِثَال سَلس، وَهُوَ نقل فِي الْيَاء.
وَأما " أَوَى " فالهمزة فَاء، وَالْوَاو عين، وَالْيَاء لَام، وَلَا يجوز أَن تكون واواً، وَإِن كَانَ قد جَاءَ " فوه " و " جوه ": لِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك ليسن على غير هَذَا الْبناء، فِيهِ مثل قَوْلك " أبون "، فِي الرّفْع أوون، وَفِي النصب والجر أوين، وَالْقِيَاس وَاحِد.
وَلَو جمعت اسْم رجل عَصا لَقلت: " عصون " فِي الرّفْع، وَفِي النصب والجرِّ: " عصين ".
وَهَذَا لَا أعلم فِيهِ اخْتِلَافا بَين الْبَصرِيين، وَلَيْسَ أحد مِمَّن يعرف هَذَا الْعلم دون معرفَة سِيبَوَيْهٍ يقصر عَن الْجَواب عَن مَا ذكره الْفراء.
وَأَقُول: إِن الْفراء سامه أَن يَبْنِي على مذْهبه فِي هَذِه الْأَسْمَاء؛ لِأَنَّهُ يَرَاهَا معربة من مكانين، فَيرى ضمَّة الْبَاء إعراباً، وَالْوَاو إعراباً، وَهَذَا مَا لَا يَقُوله البصريون، وَهِي أَسمَاء خرجت عَن القاس، نقصتها الْعَرَب، وصححت مَا هُوَ مثلهَا، أَو سمَّته معتلاًّ.
وَأَبُو عُثْمَان الْمَازِني وَحده يذهب إِلَى أَن الْبَاء فِي قَوْلك " أَبوك " الْحَرْف الَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْإِعْرَاب، بِمَنْزِلَة دَال " زيد "، وَأَن الْوَاو فِي الرّفْع إشباع الضَّمَّة، وَكَذَلِكَ يَقُول فِي الْيَاء وَالْألف.
وسيبويه يرى أَن الْوَاو فِي قَوْلك: " أَبوك " وَسَائِر أخواته، هِيَ حرف الْإِعْرَاب، وَأَن مَا قبلهَا من الْحَرَكَة تَابع لَهَا، يَجْعَل الْحَرَكَة فِي الْبَاء بِمَنْزِلَة وحركة رَاء " هَذَا امْرُؤ "، وَكَذَلِكَ فِي النصب والجر.
وَقد وافقته على هَذَا الْأَخْفَش، وَرُوِيَ عَنهُ، أَعنِي الْأَخْفَش، أَنه جعلهَا، أَعنِي الْوَاو، دَلِيل الْإِعْرَاب، كواو الْجمع.
وقرأت على أبي، رَحمَه الله، من حَدثَك الْحُسَيْن بن خالويه، قَالَ: حدَّثنا عمرَان بن الْفضل، قَالَ: دخل إِبْرَاهِيم النظام على سِيبَوَيْهٍ فِي مَرضه، فَقَالَ: كَيفَ تجدك يَا أَبَا بشر؟ قَالَ: أجدني ترحل عني الْعَافِيَة بانتقال، وَأَجد الدَّاء يخامرني بحلول، غير أَنِّي قد وجدت الرَّاحَة مُنْذُ البارحة.
قلت: فتشتهي شَيْء؟

قَالَ: لَا، وَلَكِن أشتهي أَن أشتهي.
فَلَمَّا كَانَ من غَد ذَلِك الْيَوْم، دخلت إِلَيْهِ وَأَخُوهُ يبكي، وَقد قطرت دمعة من دُمُوعه على خَدّه، فَقلت كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ:
يَسُرُّ الفَتَى مَا قَد تَقَدَّمَ مِن بَقَا ... إذَا عُرِفَ الدَّاءُ الَّذِي هُوَ قَاتِلُه
يُروى بِرَفْع الدَّاء ونصبه.
وَكَذَلِكَ قَول الآخر، أنْشدهُ الْأَخْفَش مجروراً:
إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظَنَّ أَنَّهُ ... نَجَاوَبِهِ الدَّاء الَّذِي هُوَ قَاتِلُهْ
قَالَ النظام: ثمَّ مَاتَ من يَوْمه.
وتُوفي بشيراز، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: قَرَأت على قبر سِيبَوَيْهٍ بشيراز: هَذَا قبر سِيبَوَيْهٍ. وَعَلِيهِ مَكْتُوب هَذِه الأبيات:

ذََبَ الأحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَزَاوُرٍ ... وَنَأى الْمَزَارُ فَأسْلمُوكَ وَأقْشعُوا
تَرَكُوكَ أوْحش مَا يكُونُ بِقَفْرةٍ ... لَمْ يُؤْنِسُوكَ وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا
قُضِيَ الْقَضَاءُ وَصِرْتَ صَاحِبَ حُفْرَةِ ... عَنْكَ الأحِبَّةُ أعْرَضُوا وَتَصَدَّعُوا
ويروى أَنه أنْشد عِنْد مَوته، عِنْد بكاء أَخِيه:
أُخَيَّيْنِ كُنَّا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَاإلَى الأَمَدِ الأَقْصَى وَمَنْ يَأْمَنُ الدَّهْرا

ذكر الَّذين أَخذ عَنْهُم سِيبَوَيْهٍ:
الْخَلِيل صَاحبه الَّذِي استكثر مِنْهُ، وَإِذا قَالَ فِي كِتَابه: " سَأَلته " بِغَيْر تَسْمِيَة المسؤول، فَإِنَّمَا يَعْنِي الْخَلِيل دون غَيره.
وَيُونُس بن حبيب، وَعِيسَى بن عمر، وَأَبُو الْخطاب الْأَخْفَش.
هَؤُلَاءِ أَخذ عَنْهُم، يَقُول فِي " الْكتاب ": حَدثنَا أَبُو الْخطاب. وَأُخْرَى يَقُول: حَدثنَا بذلك عَن الْعَرَب عِيسَى يُونُس. وَيذكر رِوَايَة يُونُس عَن أبي عَمْرو ابْن الْعَلَاء.
وَعِيسَى بن عمر تُوفي قبل أبي عَمْرو بِخمْس سِنِين، وَلست أعلم لأي حَال لم يلق أَبَا عَمْرو، ويدُلُّ على مَا ذكرته من وَفَاته، على خلاف مَا يذكر الْعَامَّة من عمره، أَنه قد بلغ خمسين سنة.
ويروى عَن يُونُس أَنه أنكر على سِيبَوَيْهٍ شَيْئا، فَقيل لَهُ: إِنَّه قد روى عَنْك، فَأنْظر فِيمَا روى.
قَالَ: فَنظر فِي " كِتَابه " فَقَالَ: صدق وَالله فِي جمع مَا حكى عني.
وتُوفي سِيبَوَيْهٍ، رَحمَه الله، بعد مُنْصَرفه من بَغْدَاد، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وعمره على مَا أوجبه التَّأَمُّل والتقريب خَمْسُونَ سنة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد روى عَن عِيسَى بن عمر، يَقُول: أَخْبرنِي عِيسَى. فِي غير مَوضِع من " الْكتاب "، وَلَا اخْتِلَاف فِي التواريخ أَن عِيسَى بن عمر تُوفي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَيَنْبَغِي أَن يكون سمع عَنهُ وَهُوَ ابْن تسع عشرَة، وَمَا زَاد عَلَيْهَا.
وَلَيْسَ قَول من قَالَ عمره ثَلَاثُونَ سنة بِشَيْء، هَذَا مُحال لَا يلْتَفت إِلَيْهِ، وَلَا يعول عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ على غير تَأمل وَلَا معرفَة.

تاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم-لأبو المحاسن المفضل

 

 

 

عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه:
إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه. وصنف كتابه المسمى " كتاب سيبويه - ط " في النحو، لم يصنع قبله ولا بعده مثله. ورحل إلى بغداد، فناظر الكسائي. وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. وعاد إلى الأهواز فتوفي بها، وقيل: وفاته وقبره بشيراز. وكانت في لسانه حبسة. و " سيبويه " بالفارسية رائحة التفاح. وكان أنيقا جميلا، توفي شابا. وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف. ولأحمد أحمد بدوي " سيبويه، حياته وكتابه - ط " ولعلي النجدي ناصف " سيبويه إمام النحاطة - ط " .

-الاعلام للزركلي-