الفقيه أبو بكر بن محمد العبسي، سكن في قرية وَعِل في نَعِيْمَة، خَتَنُ الفقيه عبد الله بن يحيى الصعبي، وكان فقيهاً ورعاً أديباً شاعراً، لايرى جواز طلاق التنافي ولا يُفتي بصحته، ولا يقول بصحة بيع ثوبه إلى آخر بطعام مسمى، ثم رُدَّ الثوب، وأخذ منه ما اتفقا عليه من الطعام.
وقال رحمه الله: هذه حيله على استحلال محض الربا، والأولى حيلة على رفع الطلاق بعد وقوعه.
وله في هاتين المسألتان قصيدتان تنسبان إليه، فمن قصيدته ببطلان طلاق التنافي قوله:
طلاق التنافي قد نفى الحق ظاهرا … وأنى له والله يشهد لي أنفا
إذا طلق الزوج المكلَفُ زوجَه … وليس بمجبورٍ ثلاثاً فقد أوفى
وليست حلالاً دون تنكِحُ غيره … بشرطِ كتاب الله ماقلته حَيْفا
نصحح شرط الله دون اشتراطكم … ونَنْفيه نفياً ثم نَصْرفه صَرْفا
فكل اشتراط ليس في الشرع باطل … وشرط كتاب الله حق فلا يخفى
ولا ينتفي حكم الطلاق بحيلة … وحيلتكم فيه أحق بأن تُنفى
فأقسم ما تحليلها بطلاقها … هو الحق إلا باطلٌ قسماً حَلْفا
تحلّونها فيه وتحريمها به … فصارت بما بانت محبّسَةً وقفا
فأين يقول الله وقفُ نسائكم … وتصحيح ما قلتم فنعرفه عُرفا
فإن لحكم الحق فيه أدلّة … وكل ابتداعٍ محدثٍ فيه لا يخفى
لئن كان للتدقيق هذا فتركه … من الفرق والتحقيق والأوضح الأصفى
فكم من أناس دققوا فتزندقوا … وصاروا به عن عِلْمِ فَهْمٍ على الإِشْفَى
فوا عُمراً لو قلتموها بوقته … لأثخن فيكم ثم جاهدكم زحفا
أعوذ بربي من تكلّف حيلة … وترك كتاب نوره الدهر لا يطْفا
أأطلب تُرْباً للتيمم عامداً … وعنديَ ماء البحر أغرفه غرفا
فأبطلْ بها من حيلةٍ مستحيلة … وأعظِمْ بحكم صار من أجلكم حَيْفا
وأعظم بها من فتنة ومصيبة … لها تذرُف الأعيان في دمعها ذرفا
نصححُ فرعا وهو تعليق طلقة … ونُسقط أصلاً وهو شرط لها حتفا
أنطلق حكماً واحدا بوقوعه … فإن لم يعد إثنين أُسقطه عَسْفا
فإن طلاقي بعده غير واقعٍ … ولو أنني طلقتها عدداً ألفا
فيامن له إيقاعها دون رفعها … فكفوا عن الأحداث في أمره كفّا
فليس لزوجٍ أن يعلقها بها … فيبطُلها أو أن يريد بها ضُعفا
كتعليق تطليقٍ بفسخٍ لردةٍ … وما كان يَنْفي الشرطُ فهو الذي يُنْفَى
نقول بإيقاع الطلاق مُنَجّزاً … وإيقاعه من قبلُ نحذفه حذفا
وتعليق عِتْق العبد فالحكم جائز … على عتقه أيضاً فلا تَحْرِفوا حرفا
والشعر طويل. وله قصيدة ببطلان حيلة الربا منها قوله:
الحق أضحى غريباً ليس يُفتقد … فكل من قاله في الناس يضطهدُ
لا يقبل الناس قول الحق من أحد … حتى يموت ويفنى الكبر والحسد
ما كل قول لأهل العلم منتفعٌ … به ولا كل قول منهم زبد
هُم هُم خير من فيها إذا صلحوا … وشرّ داءٍ من الأدوا إذا فسدوا
فمنهمُ كل معروف وصالحة … ومنهمُ تفسد الأقطار والبلد
فما شَقَتْ أمة إلا بشقوتهم … يوما ولا سعدت إلا إذا سعدوا
أضحى الربا قد فشا من أجل حيلتهم … في كل أرض سوى أرض بها فُقِدوا
والله حرّم معناه وباطنه … ومالهم فيه برهان ولا سند
يا بائعاً ثوبه حتى يُعادَله … أليس يعلم هذا الواحد الصمد
سبحانه من حليم بعد قدرته … وعالم ما أرادوا وما قصدوا
هل قال هذا رسول الله ويحكم … أو قال ذلك من أصحابه أحد
أم غاب عنهم دقيق العلم دونكم … أم باكتساب حلال الربح قد زهدوا
فالعلم يورث عن رُسْلِ الإله كما … يحوز بالأرث مالَ الوالد الولد
عَمن ورثتَ التنافي والربا وهما … لكل مُهْلَكَةٍ أو باطل عضد
من أجل أنهما أقصى المُحال فإن … جازا فلا باطل من بعد يُنتقد
والشعر فيها كذلك طويل.
سافر رحمه الله إلى مكة، صحبة الشيخ محمد بن موسى بن الحسين العمراني، والفقيه حسّان بن محمد بن موسى بن الحسين العمراني في سنة ست وستين، فعادوا جميعاً.
ومات رحمه الله في قرية وَعِلٍ من بلد صهبان، سنة سبع وستين وخمسمائة.
فأجابه القاضي الطاهر بن يحيى بن أبي الخير عن القصيدتين بتصنيف له سماه «الإحتجاج الشافي على المعاند في طلاق التنافي» وذلك بأمر الشيخين الإمامين: عبد الله بن يحيى، ويحيى بن أبي الخير، لما أغضبهما كلامه الخارج عن ميدان الفقه إلى الأذى، بمخالفة الكتاب والسنة.
طبقات فقهاء اليمن، تأليف: عمر بن علي بن سمرة الجعدي ص: 205-206-207-208