حسين بن علي بن عبد الكريم الأنصاري المدني
هو من رجال اللآلىء الثمينة في أعيان شعراء المدينة، لعمر بن عبد السلام المدرس الداغستاني، فقال في ترجمته: ذو نجدة ومروة، ومجد وفتوة، سجعت بمحاسنه حمائم شمائله، ولمعت من سما مكارمه بوارق فضائله، فبهر بأخلاقه الرضية، واشتمل بما ألبسه رداء الثناء بين البرية، وله النظم الحسن المقاطع، والإبداع الذي أتقن به البدائع، منه قوله لما وقعت في المدينة الفيحاء، فتنة العام المؤرخة بهذه القصيدة الغراء، أنشدها متوجعاً باكياً ولحضرة الرسالة شاكياً:
أخي إذا ما جئت في سوح أحمدا ... تضرع له وامدد إلى نحوه اليدا
وناد وقل يا سيد الرسل نجدة ... تفرج عنا ما أقام وأقعدا
عسى نفحة منكم عسى لمحة بنا ... تحف عسى المولى يجيب لنا الندا
لقد طال هذا الكرب واشتد عسره ... وشتت جيش الصبر طراً وبددا
وكدر وجه الدهر بعد ابتهاجه ... ونغص عيش المؤمنين ونكدا
وأذهب راحات النفوس جميعها ... فلله ما ولى ولله ما بدا
ولم يبق إلا أن يذيب رسومنا ... وأما قلوباً قد أذاب وأكبدا
كأن كروب الدهر أجمع أمرها ... على حربنا فاستنفرت نحون العدا
هموم غموم ثم قلة راحة ... وحزن عظيم كلما رث جددا
ثلاثة أعوام نكابد همها ... وإن لم تدار كنا هلكنا فأنجدا
ومن قبلها قد كان قحط وشدة ... وأشجار ظلم أثمرت علة ودا
وكم جرعتنا كأس صبر وحنظل ... مرارتها أدنى المصائب والردى
فرادى ومثنى حيثما ثم سكرنا ... تركنا حيارى قط لا نعرف الهدى
فنسأل رب العرش تفريج كربنا ... بجاهك يا رب السماحة والندى
ومذ شق أقوام عصاهم وشمتوا ... عداهم وأضحى كل وغد مسودا
تهلل وجه الرفض بعد اغبراره ... وأصبح ذو رفض عزيزاً وسيدا
يجر ذيول التيه في أرض طابة ... وكم من لعين منهم السيف جردا
وسروا سروراً لم يسروا بمثله ... وغنى مغنيهم لذاك وغردا
وقد مر دهر لا يجرون ذيلهم ... ومن جر أمسى بالتراب موسدا
وما قصدهم إلا انتهاك محارم ... وتخريب دور المؤمنين أولي الهدى
وما منهم إلا لعين وملحد ... وجد مجوسي وابن تهودا
حفاة عراة كالكلاب تنابحوا ... على فرعهم والأصل لعن تأبدا
فلو لم يكن هذا الشقاق لما جرى ... على مثلنا من مثلهم ذا ولا عدا
فيا سيد الكونين صار لنا ترى ... من الحزن والكرب الذي قد ترددا
ويا كهف من يلوي عناناً ببابه ... ويا خير من نودي سريعاً فأنجدا
تلاطم بحر الكرب واشتد موجه ... على أهل حق بالجوار تأكدا
عسى نظرة منكم تؤلف بينهم ... ليصبح سيف الدين في الكفر مغمدا
فصلى عليك الله ما لاح بارق ... وما لاح قمري الأراك وغردا
حسين بن أنصار إليك انتماؤه ... يرجي فكن عوناً لهم ثم مسعدا
ومع غاية الإحصاء قلت مؤرخاً ... لقد أشمتوا فينا أعادي وحسدا
انتهى توفي المترجم المرقوم بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى.
حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي.