محمد بن محمد بن محمد بن يوسف الأنصاري أبي عبد الله

المخلوع النصري

تاريخ الولادة655 هـ
تاريخ الوفاة713 هـ
العمر58 سنة
مكان الولادةغرناطة - الأندلس
مكان الوفاةغرناطة - الأندلس
أماكن الإقامة
  • غرناطة - الأندلس

نبذة

محمد بن محمد الفقيه بن محمد الشيخ ابن يوسف بن نصر، أبو عبد الله، من بني الأحمر: ثالث ملوك الدولة النصرية بالأندلس. ولد ونشأ وتأدب وتفقه بغرناطة. وباشر الأعمال فيها بين يدي أبيه، ثم ولي الأمر بعده (سنة 701 هـ وكان يقول الشعر.

الترجمة

محمد بن محمد الفقيه بن محمد الشيخ ابن يوسف بن نصر، أبو عبد الله، من بني الأحمر:
ثالث ملوك الدولة النصرية بالأندلس. ولد ونشأ وتأدب وتفقه بغرناطة. وباشر الأعمال فيها بين يدي أبيه، ثم ولي الأمر بعده (سنة 701 هـ وكان يقول الشعر، ووقف لسان الدين ابن الخطيب على (مجموع) من شعره ألفه بعض خدّامه. وابتنى المسجد الأعظم في (الحمراء) بغرناطة. وأرسل في أول أمره جيشا استولى على مدينة المنظر، واعتقل صاحبة تلك المدينة وهي من عقائل الروم. وولي وزارته محمد بن عبد الرحمن الرندي (سنة 703) فتغلب على أمره وتقلد كافة شؤونه. وفي يوم عيد الفطر (سنة 708) اتفق بعض كبار الدولة مع أخ له اسمه (نصر) فأحاطوا بقصر محمد، وهو مقعد فيه، مصاب بعينيه (لمواصلة السهر ومباشرة أنوار ضخام الشمع) كما يقول ابن الخطيب، فقتلوا الوزير، ودخل عليه بعض الفقهاء فأشهدهم بخلع نفسه، ونقل إلى قصر بخارج غرناطة، ثم إلى مدينة (المنكّب) وأقام مدة، فمرض (نصر) وأغمي عليه، فأسرع الجند إلى إحضار أخيه (صاحب الترجمة) فأحضر، وأفاق نصر، فأمر بتغريقه، فأغرق في بركة بغرناطة، ودفن بمقبرة السبيكة إلى جوار جدّه الغالب باللَّه .
-الاعلام للزركلي-

 

 

محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد ابن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي
ثالث الملوك من بني نصر، يكنى أبا عبد الله.
أوّليّته: معروفة.
حاله: كان من أعاظم أهل بيته، صيتا وهمّة، أصيل المجد، مليح الصورة، عريق الإمارة، ميمون النّقيبة، سعيد النّصبة، عظيم الإدراك؛ تهنّأ العيش مدة أبيه، وتملّى السياسة في حياته، وباشر الأمور بين يديه، فجاء نسيج وحده إدراكا، ونبلا، وفخارا، وشأوا . ثم تولّى الأمر بعد أبيه فأجراه على ديدنه؛ وتقيّل سيرته، ونسج على منواله. وقد كان الدهر ضايقه في حصّته، ونغّصه ملاذّ الملك بزمانة سدكت بعينيه لمداخلة السّهر، ومباشرة أنوار ضخام الشمع، إذ كانت تتّخذ له منها جذوع في أجسادها مواقيت تخبر بانقضاء ساعات الليل، ومضيّ الرّبع ، وعلى التزامه لكنّه وغيبوبته في كسر بيته، فقد خدمته السّعود، وأمّلت بابه الفتوح، وسالمته الملوك، وكانت أيامه أعيادا. وكان يقرض الشعر ويصغي إليه ويثيب عليه، فيجيز الشعراء، ويرضخ للندماء، ويعرف مقادير العلماء، ويواكل الأشراف والرؤساء، ضاربا في كل إصلاح بسهم، مالئا من كل تجربة وحنكة، حارّ النّادرة، حسن التوقيع، مليح الخطّ، تغلب عليه الفظاظة والقسوة.
شعره: كان له شعر مستظرف من مثله، لا بل يفضل به الكثير ممّن ينتحل الشعر من الملوك. ووقعت على مجموع له، ألّفه بعض خدّامه، فنقلت من مطوّلاته: [السريع]
واعدني وعدا وقد أخلفا ... أقلّ شيء في المليح الوفا
وحال عن عهدي ولم يرعه ... ما ضرّه لو أنّه أنصفا
ما بالها لم تتعطّف على ... صبّ لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوها ... ويرقب البرق إذا ما هفا
خفيت سقما عن عيون الورى ... وبان حبّي بعد ما قد خفا
لله كم من ليلة بتّها ... أدير من ذاك اللّمى قرقفا
متّعتني بالوصل منها وما ... أخلفت وعدا خلت أن يخلفا
ومنها:
ملّكتك القلب وإني امرؤ ... عليّ ملك الأرض قد وقّفا
أوامري في الناس مسموعة ... وليس منّي في الورى أشرفا
يرهف سيفي في الوغى مصلتا ... ويتّقى عزمي إذا ما أرهفا
وترتجى يمناي يوم النّدى ... تخالها السّحب غدت وكفا
نحن ملوك الأرض من مثلنا ... حزنا تليد الفخر والمطرفا
نخاف إقداما ونرجى ندى ... لله ما أرجى وما أخوفا
لي راية في الحرب كم غادرت ... ربع العدا قاعا بها صفصفا
يا ليت شعري والمنى جمّة ... والدّهر يوما هل يرى منصفا
هل يرتجي العبد تدانيكم ... أو يصبح الدهر له مسعفا

مناقبه: وأعظم مناقبه المسجد الجامع بالحمراء، على ما هو عليه، من الظرف والتنجيد، والتّرقيش، وفخامة العمد، وإحكام أتوار الفضة، وإبداع ثراها ، ووقف عليه الحمّام بإزائه، وأنفق فيه مال الجزية ، وأغرمها لمن يليه من الكفّار، فدوا به زرعا، نهد إليه صائفته لانتسافه، وقد أهمّتهم فتنة، فظهر بها منقبة يتيمة، ومعلوّة فذّة، فاق بها من تقدّمه، ومن تأخّره من قومه.
جهاده: أغزى الجيش لأول أمره مدينة المنظر، فاستولى عليها عنوة، وملك من احتوت عليه المدينة، ومن جملتهم الزّعيمة صاحبة المدينة، من أفراد عقائل الروم، فقدمت الحضرة في جملة السّبي ، نبيهة المركب، ظاهرة الملبس، رائقة الجمال، خصّ بها ملك المغرب، فاتّخذها لنفسه، وكان هذا الفتح عظيما، والصّيت بمزايه عظيما بعيدا. أنشدني.
ما نقل عنه من الفظاظة والقسوة : هجم لأول أمره على طائفة من مماليك أبيه، وكان سيّىء الرأي فيهم، فسجنهم في مطبق الأريّ من حمرائه، وأمسك مفتاح قفله عنده، وتوعّد من يرمقهم بقوت بالقتل، فمكثوا أياما، وصارت أصواتهم تعلو بشكوى الجوع، حتى خفتت ضعفا بعد أن اقتات آخرهم موتا من لحم من سبقه؛ وحملت الشفقة حارسا كان برأس المطبق، على أن طرح لهم خبزا يسيرا، تنقص أكله، مع مباشرة بلواهم، ونمي إليه ذلك، فأمر بذبحه على حافة الجبّ، فسالت عليهم دماؤه؛ وقانا الله مصارع السّوء، وما زالت المقالة عنها شنيعة، والله أعلم بجريرتهم لديه.
وزراؤه: بقي على خطة الوزارة وزير أبيه أبو سلطان عزيز بن علي بن عبد المنعم الداني، الجاري ذكره بحول الله في محلّه، متبرّما، بحياته [إلى أن توفي، فأنشد عند موته: [السريع]
مات أبو زيد فواحسرتا ... إن لم يكن قد مات من جمعه
مصيبة لا غفر الله لي ... أن كنت أجريت لها دمعه]
وتمادى بها أمره، [يقوم بها حاشيته، وقد ارتاح إليها متولّيها بعده، المترفّع بدولته، القائد الشهير، البهمة أبو بكر بن المول. حدّث قارىء العشر من القرآن بين يدي السلطان، ويعرف بابن بكرون، وكان شيخا متصاونا ظريفا، قال: عزم السلطان على تقديم هذا الرجل وزيرا، وكان السلطان يؤثر الفأل، وله في هذا المعنى وساوس ملازمة، فوجّه إليّ الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى يومئذ، أبو عبد الله بن الحكيم المستأثر بها دونه، والمتلقّف لكرتها قبله، وخرج لي عن الأمر، وطلب مني أن أقرأ آيا يخرج فألها عن الغرض؛ قال: فلمّا غدوت لشأني تلوت بعد التعوّذ قوله، عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إلى قوله: بَيَّنَّا، فلما فرغت الآية، سمعته حاد عن رأيه الذي كان أزمعه] ، وقدّم للوزارة كاتبه أبا عبد الله بن الحكيم في ذي قعدة من عام ثلاثة وسبعمائة، وصرف إليه تدبير ملكه، فلم يلبث أن تغلّب على أمره، وتقلّد جميع شؤونه، حسبما يأتي في موضعه إن شاء الله.
كتّابه: استقلّ برئاسته وزيره المذكور، وكان ببابه من كتّابه جملة تباهى بهم دسوت الملوك، أدبا وتفنّنا وفضلا وظرفا، كشيخنا تلوه وولي الرّتبة الكتابية من بعده، وفاصل الخطبة على أثره، وغيره ممّن يشار إليه في تضاعيف الأسماء، كالشيخ الفقيه القاضي أبي بكر بن شبرين، والوزير الكاتب أبي عبد الله بن عاصم، والفقيه الأديب أبي إسحاق بن جابر، والوزير الشاعر المفلق أبي عبد الله اللّوشي ، من كبار القادمين عليه، والفقيه الرئيس أبي محمد الحضرمي، والقاضي الكاتب أبي الحجاج الطرطوشي، والشاعر المكثر أبي العباس القرّاق وغيرهم.
قضاته: استمرّت ولاية قاضي أبيه الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن هشام الألشي ، قاضي العدل، وخاتمة أولي الفضل، إلى أن توفي عام أربعة وسبعمائة. وتولّى له القضاء القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشي المنبوز بابن فركون، وتقدّم التعريف به، والتنبيه على فضله، إلى آخر أيامه.
من كان على عهده من الملوك بالأقطار : وأول ذلك بفاس؛ كان على عهده بها السلطان الرفيع القدر، السامي الخطر، المرهوب الشّبا، المستولي في العزّ وبعد الصّيت على المدى، أبو يعقوب يوسف بن يعقوب المنصور بن عبد الحق، وهو الذي وطّد الدولة المرينيّة ، وجبا الأموال العريقة ، واستأصل من تتّقى شوكته من القرابة وغيرهم. وجاز إلى الأندلس في أيام أبيه وبعده، غازيا، ثم حاصر تلمسان، وهلك عليها في أوائل ذي قعدة عام ستة وسبعمائة، [فكانت دولته إحدى وعشرين سنة وأشهرا] . ثم صار الأمر إلى حافده أبي ثابت عامر بن الأمير أبي عامر عبد الله بن يوسف بن يعقوب بعد اختلاف وقع ونزاع انجلى عن قتل جماعة من كبارهم ؛ منهم الأمير أبو يحيى بن السلطان أبي يوسف، والأمير أبو سالم بن السلطان أبي يعقوب. واستمرّ الأمر للسلطان أبي ثابت إلى صفر من عام ثمانية وسبعمائة. وصار الأمر إلى أخيه أبي الربيع سليمان تمام مدّة ملكه وصدرا من دولة أخيه نصر ، حسبما يذكر في موضعه إن شاء الله. وبتلمسان الأمير أبو سعيد عثمان بن يغمراسن، ثم أخوه أبو عمران موسى، ثم ولده أبو تاشفين عبد الرحمن إلى آخر مدة أخيه . وبتونس السلطان الفاضل، الميمون النّقيبة، المشهور الفضيلة، أبو عبد الله محمد بن الواثق يحيى بن المستنصر أبي عبد الله بن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، من أولي العفّة، والنزاهة ، والتؤدة، والحشمة، والعقل، عني بالصالحين ، واختصّ بأبي محمد المرجاني، [فأشار بتقويمه] ، وظهرت عليه بركته، [وكان يرتبط إليه، ويقف في الأمور عنده، فلم تعدم الرعيّة بركة ولا صلاحا في أيامه] ، إلى أن هلك في ربيع الآخر عام تسعة وسبعمائة، ووقعت بينه وبين هذا الأمير المترجم به المراسلة والمهاداة. وبقشتالة هراندة بن شانجه بن أدفونش بن هراندة، [المستولي على إشبيليّة وقرطبة، ومرسية، وجيّان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله] . هلك أبوه وتركه صغيرا، مكفولا على عادتهم، فتنفّس المخنّق وانعقدت السلم، واتصل الأمان مدة أيامه، وهلك في دولة أخيه. وبرغون؛ جايمش بن ألفنش بن بطره.
الأحداث : في عام ثلاثة وسبعمائة، نقم على قريبه الرئيس أبي الحجاج بن نصر الوالي بمدينة وادي آش، [أمرا أوجب عزله عنها، وكان مقيما بحضرته فاتخذ الليل جملا، وكان أملك بأمرها؛ وذاع الخبر، فاستركب الجيش، وقد حدّ ما ينزل في استصلابه، وجدّد الصكوك بولايته خوفا من اشتعال الفتنة، وقد أخذ على يديه، وأغرى أهل المدينة بحربه، فتداعوا لحين شعورهم باستعداده وأحاطوا به، فدهموه وعاجلوه، فتغلبوا عليه، وقيد إلى بابه أسيرا مصفّدا، فأمر أحد أبناء عمّه فقتله صبرا، وتملّا فتحا كبيرا، وأمن فتنة عظيمة] . وفي شهر شوّال من عام خمسة وسبعمائة قرع الأسماع النبأ العظم ، الغريب، من تملّك سبتة وحصولها في قبضته ، وانتزاعها من يد رئيسها أبي طالب عبد الله بن أبي القاسم، الرئيس الفقيه، ابن الإمام المحدّث أبي العباس العزفي حسبما يتقرّر في اسم الرئيس الفقيه أبي طالب إن بلّغنا الله ذلك؛ واستأصل ما كان لأهلها من الذخائر والأموال، ونقل رؤساءها، وهم عدّة، إلى حضرته غرناطة في غرّة المحرم من العام، فدخلوا عليه، وقد احتفل بالملك، واستركب في الأبّهة الجند، فلثموا أطرافه، واستعطفه شعراؤهم بالمنظوم من القول، وخطباؤهم بالمنثور منه، فطمأن روعهم وسكّن جأشهم، وأسكنهم في جواره، وأجرى عليهم الأرزاق الهلالية، وتفقّدهم في الفصول إلى أن كان من أمرهم ما هو معلوم.
اختلاعه: في يوم عيد الفطر من عام ثمانية وسبعمائة أحيط بهذا السلطان، وأتت الحيلة عليه، وهو مصاب بعينيه، مقعد في كنّه، فداخلت طائفة من وجوه الدولة أخاه، وفتكت بوزيره الفقيه أبي عبد الله بن الحكيم، ونصبت للناس الأمير أبا الجيوش نصرا أخاه، وكبست منزل السلطان، فأحيط به، وجعل الحرس عليه ، وتسومع بالكائنة فكان البهت، وسال من الغوغاء البحر، فتعلّقوا بالحمراء، يسألون عن الحادثة، فشغلوا بانتهاب دار الوزير، وبها من مال الله ما يفوت الوصف، وكان الفجع في إضاعته على المسلمين، وإطلاق الأيدي الخبيثة عليه عظيما. وفي آخر اليوم عند الفراغ من الأمر، دخل على السلطان المخلوع، الشهداء عليه بخلعه، بعد نقله من دار ملكه إلى دار أخرى، فأملى، رحمه الله، زعموا، وثيقة خلعه، مع شغب الفكر، وعظم الداهية، وانتقل، رحمه الله، بعد، إلى القصر المنسوب إلى السيد بخارج الحضرة؛ أقام به يسيرا، ثم نقل إلى مدينة المنكّب. وكان من أمره ما يذكر إن شاء الله.
[ومما يؤثر من ظرفه؛ حدّث من كان منوطا به من خاصّته، مدة أيام إقامته بقصر نجد، قبل خلعه، قال: أرسل الله الأغربة على سقف القصر، وكان شديد التطيّر والقلق لذلك حسبما تقدّم من الإشارة إلى ذلك بحديث العشر؛ وكان من جملتها غراب، شديد الإلحاح، حادّ النّعيب والصياح، فأغرى به الرّماة من مماليكه بأنواع القسيّ؛ فأبادوا من الغربان أمّة؛ وتخطّأ الحتف ذلك الغراب الخبيث العبقان؛ فلمّا انتقل إلى سكنى الحمراء ظهر ذلك الغراب على سقفه؛ ثم لما أهبط مخلوعا إلى قصر شنيل تبعه، وقام في بعض السّقف أمامه، فقال يخاطبه رحمه الله: يا مشؤوم، يا محروم بين الغربان، قد خلّصت أمرنا، ولم يبق لك علينا طلب، ولا بيننا وبينك كلام؛ ارجع إلى هؤلاء المحارم فاشتغل بهم؛ قال: فأضحكنا على حال الكآبة بعذوبة منطقه، وخفّة روحه] .
وفاته: قد تقدّم ذكر استقراره بالمنكّب. وفي أخريات شهر جمادى الآخرة عام عشرة وسبعمائة، أصابت السلطان نصرا سكتة، توقّع منها موته، بل شكّ في حياته؛ فوقع التفاوض الذي تمخّض إلى التوجيه عن السلطان المخلوع الذي بالمنكّب ليعود إلى الأمر، فكان ذلك، وأسرع إلى إيصاله إلى غرناطة في محفّة، فكان حلوله بها في رجب من العام المذكور. وكان من قدر الله، أن أفاق أخوه من مرضه، ولم يتمّ للمخلوع الأمر، فنقل من الدار التي كان بها إلى دار أخيه الكبرى، فكان آخر العهد به. ثم شاعت وفاته أوائل شوّال من العام المذكور، فذكر أنه اغتيل غريقا في البركة في الدار المذكورة لما توقع من عادية جواره؛ ودفن بمقبرة السّبيكة، مدفن قومه، بجوار الغالب بالله جدّه، ونوّه بجدثه، وعليه مكتوب ما نصّه :
«هذا قبر السلطان الفاضل، الإمام العادل، علم الأتقياء، أحد الملوك الصلحاء، المخبت الأوّاه، المجاهد في سبيل الله، الرّضيّ الأورع، الأخشى لله الأخشع، المراقب في السرّ والإعلان، المعمور الجنان بذكره واللسان، السالك في سياسة الخلق وإقامة الحقّ، منهاج التقوى والرّضوان، كافل الأمّة بالرأفة والحنان، الفاتح لها بفضل سيرته، وصدق سريرته، ونور بصيرته، أبواب اليمن والأمان، المنيب الأوّاب، العامل بكلّ ما يجده نورا مبينا يوم الحساب، ذي الآثار السّنيّة، والأعمال الطاهرة العليّة ، القائم في جهاد الكفّار بماضي العزم وخالص النيّة، المقيم قسطاس العدل، المنير منهاج الحلم والفضل، حامي الذّمار، وناصر دين المصطفى المختار، المقتدي بأجداده الأنصار، المتوسّل بفضل ما أسلفوه من أعمال البرّ والجهاد، ورعاية العباد والبلاد، إلى الملك القهّار، أمير المسلمين، وقامع المعتدين، المنصور بفضل الله، أبي عبد الله ابن أمير المسلمين الغالب بالله؛ السلطان الأعلى، إمام الهدى، وغمام النّدى، محيي السّنّة، حسن الأمّة ، المجاهد في سبيل الله، الناصر لدين الله، أبي عبد الله ابن أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله بن يوسف بن نصر، كرّم الله وجهه ومثواه، ونعّمه برضاه. ولد رضي الله عنه يوم الأربعاء الثالث لشعبان المكرم من عام خمسة وخمسين وستمائة. وتوفي، قدّس الله روحه، وبرّد ضريحه، ضحوة يوم الاثنين الثالث لشوّال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، رفعه الله إلى منازل أوليائه الأبرار، وألحقه بأئمّة الدين ، لهم عقبى الدّار، وصلّى الله على سيّدنا محمد المختار، وعلى آله، وسلّم تسليما» .
ومن الجانب الآخر: [الطويل]
رضى الملك الأعلى يروح ويغتدي ... على قبر مولانا الإمام المؤيّد
مقرّ العلى والملك والبأس والنّدى ... فقدّس من مغنى كريم ومشهد
ومثوى الهدى والفضل والعدل والتّقى ... فبورك من مثوى زكي وملحد
فيا عجبا طود الوقار جلالة ... ثوى تحت أطباق الصفيح المنضّد
وواسطة العقد الكريم الذي له ... مآثر فخر بين مثنى وموحد
محمد الرّضيّ سليل محمد ... إمام النّدى نجل الإمام محمد
فيا نخبة الأملاك غير منازع ... ويا علم الأعلام غير مفنّد
بكتك بلاد كنت تحمي ذمارها ... بعزم أصيل أو برأي مسدّد
وكم معلم للدين أوضحت رسمه ... بنى لك في الفردوس أرفع مصعد
كأنّك ما سست البلاد وأهلها ... بسيرة ميمون النّقيبة مهتد
كأنك ما قدت الجيوش إلى العدا ... فصيّرتهم نهب القنا المتقصّد
وفتحت من أقطارهم كلّ مبهم ... فتحت به باب النّعيم المخلّد
كأنك ما أنفقت عمرك في الرّضى ... بتجديد غزوات وتشييد مسجد
وإنصاف مظلوم وتأمين خائف ... وإصراخ مذعور وإسعاف مجتد
كأنّك ما أحييت للخلق سنّة ... تجادل عنها باللسان وباليد
كأنّك ما أمضيت في الله عزمة ... تدافع فيها بالحسام المهنّد
فإن تجهل الدنيا عليك وأهلها ... بذاك ثواب الله يلقاك في غد
تعوّضت ذخرا من مقام خلافة ... مقيم منيب خاشع متعبّد
وكلّ الورى من كان أو هو كائن ... صريع الرّدى إن لم يكن فكأن قد
فلا زال جارا للرسول محمد ... بدار نعيم في رضى الله سرمد
وهذي القوافي قد وفيت بنظمها ... فيا ليت شعري هل يصيخ لمنشد
الإحاطة في أخبار غرناطة - لسان الدين ابن الخطيب.