ابن أبي الصلت
أبو الصَّلت أُمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، من أهل إشبيلية، وسكن المَهديَّة، واتصل بأميرها يحيى بن تميم المُعزّ الصِّنهاجي، ثمَّ بابنه عليّ بن يحيى، وبعده بالحسن بن علي، آخر ملوكِ الصّنهاجيين بها. وتُوفي صدر ولايته سنة عشرين وخمسمائة، أو بعدها بيسير. وقيل توفي مع أبي عبد الله المازري في سنة ست وثلاثين، والأول أصحّ.
ومن خَبره أنَّه خرج من إشبيلية ابن عشرين سنة، ولزم التعلُّم بمصر عشرين سنة، ثمَّ أوطن المَهديَّة عشرين سنة. حُدثت بهذا عن أبي عبد الله ابن عبد الخالق الخطيب بها، عن بعض مَن أدركه من شيوخها.
وله تواليف مُفيدة في الطبّ، وهو كان الغالب عليه، وفي الأدب والعروض والتاريخ.
ومن مدائحه في يحيى بن تميم يصف فرساً له كان يُسمَّى هلالاً لغُرَّةٍ في جبهته هِلالية الشكل:
شهدتُ لقد فات الجيادَ وبَذَّها ... جوادُك هذا من وِرادٍ ومن شُقرِ
جوادٌ تبدَّت بين عينيه غُرَّةٌ ... تُريكَ هلالَ الفطر في غُرة الشهرِ
وما اعتنَّ إلاَّ قلتُ أسأل صاحبي ... بعَيشكَ من أهدى الهلالَ إلى البدرِ
كأنَّ الصَّباحَ الطَّلْقَ قَبَّلَ وَجْهَهُ ... وسالتْ على باقيهِ صافيةُ الخمرِ
كأنَّك منهُ إذ جَذَبْتَ عِنانَهُ ... على منكِبِ الجَوْزاءِ أو مَفْرِق النَّسرِ
كأنَّك إذ أرسلتَه فوق لُجة ... تُدَفِّعها أيدي الرِّياح إلى العبْرِ
تدفّقتُما بحرَين جُوداً وجَودةً ... ومن أعجبِ الأشياءِ بحرٌ على بَحْرِ
وله أيضاً فيه ويصف بعضَ مبانِيه:
قُم يا غلامُ ودَعْ مُخالسةَ الكَرى ... لمُهجِّرٍ يصفُ النّوى ومُغلَّسِ
أو ما رأيت النَّوْرَ يَشرقُ بالنَّدى ... والفجرَ يَنْصُلُ من خضابِ الحِنْدِسِ
والتُّربُ في خَلل الحديقة مُرْتَوٍ ... والغصنُ من حُلَلِ الشَّبيهِ مُكْتَسِ
والرَّوضُ يبرُزُ في قلائدِ لُؤلُؤٍ ... والأرضُ ترفُلُ في غَلائِلِ سُندسِ
لا تَعْدَمُ الألحاظُ كيف تصرَّفَتْ ... وَجَناتِ وَرْدٍ أو لواحظَ نَرْجسِ
وله كلام في المباني السلطانية يصفُها فمن ذلك قوله:
وضَّاحة حلَّتِ الأنوارُ ساحتَها ... فأزمعتْ رحلةً عن أُفقها السُّدُفُ
كأنَّ رَأْدَ الضُّحى مما يُغازلها ... عن الغَزالةِ هيمانٌ بها كَلِفُ
تجمَّعتْ وهي أشتاتٌ محاسنُها ... هذا الغَدير وهذِي الرَّوضةُ الأُنُفُ
يُضاحكُ النُّور فيها النَّوْرَ من كَثَبٍ ... مهما بكتْ للغَواني أعينٌ ذُرُفُ
خُضرٌ خمائلها زُرقٌ جداولها ... فالحُسْنُ مُتلفٌ فيها ومختلفُ
دَوْح وظلٌّ يلذُّ العيشُ بينهما ... هذا يَرِفُّ كما تهوَى وذا يَرِفُ
يَجري النسيمُ على أرجائها دَنِفاً ... ومِلؤه أرَجٌ يشفَى به الدَّنِفُ
حاكَ الربيعُ لها من صوبِهِ حِبَراً ... كأنَّها الحُلَلُ الأفوافُ والصُّحف
غَريرةٌ من بناتِ الرَّوضِ ناعمةٌ ... يَثني معاطفَها في السُّندس التَّرَف
تَندى أصائلُها صُفراً غلائلُها ... كأنَّ ماءَ نُضارٍ فوقها يَكِفُ
وله في المَصنع المعروف بأبي فِهر:
نَمت صُعُداً في جِدَّةٍ غُرفاتُه ... على عَمَدٍ مما استجاد لها الجِدُّ
تَخَيَّلن قاماتٍ وهُنَّ عقائلٌ ... سوى أنَّها لا ناطقاتٌ ولا مُلْدُ
قُدودٌ كساها ضافيَ الحُسن عُرْيُها ... وأمعنَ في تَنعيمها النَّحتُ والقَدُّ
تُذكِّرُ جنَّاتِ الخلودِ حدائقٌ ... زواهرُ لا الزَّهراءُ منها ولا الخُلد
فأسحارُها تُهدي لها الطيبَ مَنْبجٌ ... وآصالُها تُهدي الصَّبا نحوها نجدُ
أنافَ على شُمِّ القُصورِ فلم تَزَلْ ... تَنَهَّدُ وجداً للقُصور وتَنهدُّ
رَحيبُ المَغاني لا يضيق بوَفْدِهِ ... ولو أنَّ أهلَ الأرضِ كلَّهُمُ وَفد
تلاقَى لديه النَّور والنُّور فانجلتْ ... تفاريقَ عن ساحاتهِ الظُّلَمُ الرُّبد
وسُجن أبو الصلت بمصر، فقال في ذلك:
عَذيريَ من دهرٍ كأنِّي وَترتُه ... بباهِرِ فَضلي فاستقادَ به منِّي
تَعجَّلني بالشَّيبِ قبلَ أوانهِ ... فجرَّعني الدُّرديَّ من أوَّلِ الدَّنّ
وما مرَّ بي كالسّجنِ فيه مُلمَّةٌ ... وشرٌّ من السّجنِ المُصاحَبُ في السّجن
أظُنُّ اللَّيالي مُبْقِياتي لحالةٍ ... تُبدِّلُ فيها حياتي هذه عنِّي
وإلاَّ فما كانتْ لتَبْقَى حُشاشتي ... على طولِ ما ألقى من الضَّيمِ والغَبنِ
وقالوا حديثُ السِّنّ يسْمو إلى العُلا ... كأنَّ العُلا وقفٌ على كِبَرِ السنِّ
وما ضرَّني سنُّ الحَداثة والصِّبا ... إذا لم يَضْفُ خُلْقي إلى النَّقصِ والأفْنِ
فعلْمٌ بلا دَعوى ورأيٌ بلا هوًى ... ووعدٌ بلا خُلْفٍ ومنٌّ بلا مَنِّ
متى صَفَتِ الدُّنيا لحُرٍّ فأبتغي ... بها طيبَ عَيشي أو خُلُوِّي من الحُزْنِ
وهل هي إلاَّ دارُ كُلِّ مُلِمَّةٍ ... أمضُّ لأحشاءِ اللَّبيبِ من الطَّعنِ
وقال أبو الصَّلت:
تَجري الأُمور على حُكم القَضاء وفي ... طيِّ الحوادِثِ مَحبوبٌ ومكروهُ
فربَّما سَرَّني ما بِتُّ أحذرُهُ ... وربَّما ساءني ما بِتُّ أرجوهُ
كتاب: تحفة القادم - لابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي.
أمية بن عبد العزيز الأندلسي الداني، أبو الصلت:
حكيم، أديب، من أهل (دانية) بالأندلس. ولد فيها، ورحل إلى المشرق، فأقام بمصر عشرين عاما " سجن في خلالها، ونفاه الأفضل شاهنشاه منها، فرحل إلى الإسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية (من أعمال المغرب) فاتصل بأميرها يحيى ابن تميم الصنهاجي، وابنه علي بن يحيى، فالحسن بن يحيى آخر ملوك الصنهاجيين بها، ومات فيها. من تصانيفه (الحديقة) على أسلوب يتيمة الدهر، و (رسالة العمل بالأسطرلاب - خ) في المتحف العراقي رقم 1248 وفي شستربتي (3183) و (الوجيز) في علم الهيأة، و (الأدوية المفردة - خ) رأيته في مغنيسا، الرقم 1815 كتب سنة 670 هـ في 188 ورقة. وقد عبث بعض الأغبياء بالصفحة الأولى من النسخة فجعلوا في أعلاها (كتاب القارورة للاسرائيلي وكتاب أبقراط إلخ) وكتب أحدهم انه (بخط الؤلف أبو الصلت) ولاقيمة لكل هذا. ومنه نسخة مبتورة غير قديمة رأيتها في خزانة الرباط آخر المجموع 281 ق و (تقويم الذهن - ط) في علم المنطق. وله شعر فيه رقة وجودة .
-الاعلام للزركلي-
أبو الصلت الأندلسي
أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الداني؛ كان فاضلاً في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفاً بفن الحكمة، فكان يقال له: الأديب الحكيم، وكان ماهراً في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئاً من نظمه،
ومن جملة ما ذكر له [قوله لمن جاد عليه قبل مدحه:
لا غرو أن سبقي يداك مدائحي ... فتدفقت جدواك مثل إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إثماره ... وتطوق الورقاء قبل غنائها ولأبي جعفر الجزار البطرني في ابن عباد :
وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانياتٍ قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد ولأبي الصلت المذكور] :
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةً ... تشق على شم الذرى والغوارب ولم أر هذين البيتين في ديوانه، وأورد له أيضاً:
وقائلة ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز ولا وجدت هذا المقطوع أيضاً في ديوانه، والله أعلم، وله أيضا:
جد بقلبي وعبث ... ثم مضى وما اكترث
واحربا من شادن ... في عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث
فأي ود لم يخن ... وأي عهد ما نكث
وله أيضاً:
دب العذار بخده ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب
لاغرو أن خشي الردى في لثمه ... فالريق سم قاتل للعقرب ومن شعره أيضاً:
ومهفهفٍ شركت محاسن وجهه ... ما مجه في الكأس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من ريقه [أخذ هذا المعنى من ابن حبوس حيث يقول:
وممنطق يغني بلحظ جفونه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه] وأورد له أيضاً في كتاب " الخريدة " في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني :
عجبت من طرفك في ضعفه ... كيف يصيد البطل الأصيدا
يفعل فينا وهو في غمده ... ما يفعل السيف إذا جردا وشعره كثير وجيد، وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم الاثنين مستهل سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وقيل: في عاشر المحرم سنة ثمان وعشرين. وقال العماد في الخريدة: أعطاني القاضي الفاضل كتاب الحديقة وفي آخرها مكتوب: إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، والصحيح هو الأول، فإن أكثر الناس عليه، وهو الذي ذكره الرشيد بن الزبيرفي الجنان، ومات بالمهدية، ودفن بالمنستير - وسيأتي ذكرها في ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إن شاء الله تعالى، ونظم أبياتاً، وأوصى أن تكتب على قبره، وهي آخر شيء قاله، وهي:
سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجوز
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بشر عقاب المذنبين جدير
وإن يك عفو منه عني ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز:
عبد العزيز، خليفتي ... رب السماء عليك بعدي
أنا قد عهدت إليك ما ... تدريه فاحفظ فيه عهدي
فلئن عملت به فإن ... ك لا تزال حليف رشد
ولئن نكثت لقد ضلل ... ت وقد نصحتك حسب جهدي ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة ان أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدنية من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس، كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر في سنة خمس وخمسمائة، وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة فحل بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس منزلة جليلة، وولد له بها ولد سماه عبد العزيز، وكان شاعراً ماهراً، له في الشطرنج يد بيضاء، وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة.
قلت: وهو الذي غلط فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل، واعتقد أن أباه مات في هذا التاريخ.
وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل بالأصطرلاب، وكتاب " الوجيز " في علم الهيئة، وكتاب " الأدوية المفردة " وكتاباً في المنطق سماه " تقويم الذهن " وكتاباً سماه " الانتصار في الرد على علي بن رضوان " في رده على حنين بن إسحاق في مسائله، ولما صنف " الوجيز " للأفضل عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهي.
وله من أبيات:
كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان وإنما قال هذا لأن الكتان إذا تركوه في ضوء القمر بلي. وكان مرضه الاستسقاء، والله أعلم.
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - لأبو العباس شمس الدين أحمد ابن خلكان البرمكي الإربلي
وله أيضاً، أعني أمية المذكور:
تلاقت الأضداد في جسمه ... على اتفاق بينها واصطلاح
إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبت الخلخال جال الوشاح وله في الشمعة:
وناحلة صفراء لم تدر ما الهوى ... فتبكي لهجر أو لطول بعاد
حكتني نحولاً واصفراراً وحرفة ... وفيض دموع واتصال سهاد وله أيضاً:
تجري الأمور على قدر القضاء وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه
فربما سرني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان - لأبو العباس شمس الدين أحمد ابن خلكان البرمكي الإربلي
الشاعر الأديب أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت الأندلسي الداني، المتوفى بالمهدية في محرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وله تسع وستون سنة.
اشتغل بالأندلس على جماعة ورحل إلى الإسكندرية ومصر سنة 489 وأقام بها، ثم نفاه الأفضل شاهنشاه سنة 505، فسافر إلى المهدية ونزل من صاحبها علي بن يحيى منزلة جليلة، فأقام بها إلى أن مات.
وهو من أكابر الأطباء. [كان] ماهراً في الطب وغيره من العلوم الأدبية والرياضية، متقناً في الموسيقى وعمله، فصيح اللسان، لطيف النادرة وله من المؤلفات "الرسالة المصرية" ذكر فيها ما رآه من آثارها وأعيانها، صنفه لأبي الطاهر يحيى بن تميم وكتاب "الحديقة" على أسلوب "يتيمة الدهر" كتاب "الأدوية المفردة" على ترتيب الأعضاء، كتاب "تقويم الذهن" في المنطق، "رسالة في الموسيقى"، كتاب "الانتصار" في الرد على علي بن رضوان في رده على حنين، رسالة "الإسطرلاب وعمله" كتاب "الوجيز" في الهيئة كتاب في الهندسة وديوان شعر وغير ذلك. ذكره ابن خلكان وصاحب "عيون الأنباء".
سلم الوصول إلى طبقات الفحول - حاجي خليفة.
العلامة القيلسوف، الطَّبِيْبُ الشَّاعِرُ المُجَوِّدُ، أَبُو الصَّلْتِ أُمَيَّة بن عَبْد العَزِيْزِ بن أَبِي الصَّلْتِ الدَّانِي، صَاحِب الكُتُب.
وُلِدَ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَتَنَقَّلَ، وَسَكَنَ الإِسْكَنْدَرِيَّة، ثُمَّ رُدَّ إِلَى الْغرب، وَأَقْبَلَ عليه علي ابن بَادِيسَ، وَكَانَ رَأْساً فِي النُّجُوْم وَالوَقْتِ وَالموسيقَى، عجباً فِي لعب الشَّطرنج، رَأْساً فِي الْمنطق وَهَذَيَانِ الأَوَائِل، سجنه صَاحِبُ مِصْرَ مُدَّةً لِكَوْنِهِ غَرَّق لَهُ سَفِيْنَةً مُوقرَةً صُفْراً، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَرْفَعُهُ، وَعَمَدَ إِلَى حبَالٍ دَلاَّهَا مِنْ سَفِيْنَة، وَنَزَلَ البحرِيَةُ، فَرَبَطُوا السَّفِيْنَةَ، ثُمَّ اسْتُقِيَتْ بِدوَالِيبَ، فَارتفعت، وَوصلَت، لَكِن تَقطَّعتِ الحبَال، فَوَقَعت، فَغَضِبَ الأَمِيْرُ عَلَيْهِ.
مَاتَ بِالمهديَة فِي آخِرِ سنة ثمان وعشرين وخمس مائة.
سير أعلام النبلاء - شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي.
ابن أبي الصلت (460 - 529 هـ) (1067 - 1135 م)
أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي، أبو الصلت، الفيلسوف والعالم الرياضي، الموسيقى، الشاعر، نزيل المهدية، الداني الإشبيلي.
ولد بدانية من الجزائر الشرقية بالأندلس المعروفة الآن بجزائر البالبار وتتلمذ على قاضي دانية أبي الوليد الوقّشي، وورث عنه ثقافته الموسوعية، كما أخذ عن غيره، وتلقى العلم أيضا بإشبيلية بلد النحاة والفنانين، واستقر بها مدة، ولذلك يقال له الداني الإشبيلي، وبعد أن تضلع من الأدب والفلسفة وعلوم الأوائل رحل إلى مصر، وتجشم المشاق، وقطع المفاوز والقفار طمعا في الظفر بعيش كريم في مصر واكتساب جاه وثروة إلا أن آماله خابت ولقي عكس ما يرجوه، وبارح الأندلس خلال عام 1069/ 489 ولنستمع إليه يحدثنا عن رحلته البرية إلى مصر فقد قال في صدر رسالته المصرية: «فجعلت استقري البلاد لأتيمم أوفقها للمقام، وأعونها على مقارعة الأيام، فكانت مصر مما وقع عليه اختياري وصدّقت حسن ظني قبل اختياري، وسرت قاصدا إليها اعتسف المجاهل والنتائف، وأخوض المهالك والمتالف، فلما تحرت ركابي من النيل، واستذرت ظل المقطّم، ألقيت عصا التسيار، واستقرت بي النوى، وخفّت ظهورهن من الرجال، وأرحتهن من الحل والترحال، وقلت: ضالتي المنشودة وبغيتي المقصودة، ههنا ألبث وأقيم، فلا أبرح ولا أريم «بلدة طيبة ورب غفور» ولم تطل مدة اللبث حتى تبينت بما شاهدته أني فيها مبخوس البضاعة موكوس الصناعة، مخصوص بالإهانة والاضاعة، وأن عيشها الرغد مقصور على الوغد، وغابها المرّ موقوف على الحر، فلو تقدمت فعلت ذلك لخف عنها مركبي وصرفت إلى سواها رحلة طلبي، ولكان في الأرض مرمى شاسع ومنتاب واسع، بل شبلت حتى تورطت حتى عوجلت بما يعامل به ذوو الجرائر والذنوب، وجرعتني المذلة بأرض ذنوب، هذا مع ما حبرت من المدح التي اشتهرت شهرة الصباح، وهبّت هبوب الرياح، ولهج بها الحادي والملاّح.
فسار بها من لا يسير مستعرا … وغنّى بها من لا يغنّي مفردا».
متى قدم إلى مصر؟ وهل أقام بالمهدية مدة في بلاط الملوك الصنهاجيين قبل ارتحاله إلى مصر؟ وما هو سبب سجنه بمصر؟ ومتى حل بالمهدية بعد خروجه من مصر؟
هذه الاسئلة لا تتفق المصادر التي ترجمت له في الاجابة عنها، وتبادر بالقول بأنه لم يقم بالمهدية فترة من الزمان تحت رعاية ملوكها الصنهاجيين، بل كان مقصده من رحلته البرية الحلول بمصر على ما يستفاد من مطالعة «رسالته المصرية» التي نقلنا منها الفقرات السابقة، وهي نصوص صريحة يبطل معها كل اجتهاد شخصي أو محاولة ترجيح أو توفيق بين الروايات المتضاربة المدونة في المصادر التي تكفلت بترجمته.
أما عن تاريخ حلوله بمصر فقد نص المؤرخ الثقة ابن خلكان أنه قدم الاسكندرية مع أمه يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة 489 (1096) في أيام الخليفة المستنصر الفاطمي ووزيره الأفضل شاهن شاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني، وذكر ياقوت الحموي في «معجم الأدباء» أنه «كان قدومه إلى مصر في أيام المسمى بالآمر من ملوك مصر واتصل بوزيره ومدير دولته الأفضل شاهن شاه ابن أمير الجيوش بدر».
وحسب هذا القول كان حلوله بمصر على عهد الآمر بأحكام الله منصور ابن المستعلي بالله أحمد ابن المستنصر الفاطمي، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه ورد مصر في أيام المستنصر، وأنه لبث في زوايا الخمول والإغفال إلى أن اتصل بالوزير الأفضل شاهنشاه فذاع صيته ولقي الاكرام والمبرة مدة. وذكر ابن أبي أصيبعة في «عيون الأنباء» أن أبا الصلت أتى من الأندلس إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة مدة ثم عاد بعد ذلك إلى الأندلس، وكان دخوله إلى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة ولما كان بالاسكندرية حبس بها. فإن صحت هذه الرواية يكون قد رجع إلى وطنه بعد خروجه من مصر، ثم استقر مدة في المهدية في خدمة أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، ورحل إلى مصر مرة أخرى بعد وفاة ولي نعمته سنة تسع وخمسمائة وروى المقري في «نفح الطيب» ما نصه: «يقال إن عمره ستون سنة، عشرون في بلده إشبيلية وعشرون في مصر محبوسا في خزانة الكتب وكان وجهه صاحب المهدية إلى ملك مصر فسجن بها طول تلك المدة في خزانة الكتب فخرج في فنون العلم إماما» كلام المقري لا يثبت أمام التمحيص لانفراده بأشياء لم يذكرها غيره. والبعض منها لا يتفق مع كلام أبي الصلت نفسه.
يفهم من كلام المقري أنه بارح بلده إشبيلية في حدود العشرين من عمره أي أنه بارحها في حدود سنة ثمانين وأربعمائة بينما سبق لنا النقل عن ابن خلكان أنه قدم الاسكندرية مع أمه في سنة تسع وثمانين وأربعمائة وله من العمر تسع وعشرون سنة، وما ذكره المقري من أن صاحب المهدية وجهه رسولا إلى مصر فإن أبا الصلت نفسه أثبت صدر رسالته المصرية أنه رحل إلى مصر بمحض رغبته وكمال اختياره.
وتختلف الروايات في مكان سجنه فذكر ياقوت الحموي أن الأفضل حبسه بسجن المعونة بالقاهرة، وكان يحبس في هذا السجن أرباب الجرائم، أما الأمراء والأعيان فيسجنون بخزانة البنود على ما ذكره المقريزي في «الخطط» وقد لمح أبو الصلت في صدر رسالته المصرية إلى أنه عومل بما يعامل به ذوو الجرائم والذنوب، ولذلك نستبعد كلام المقري في كونه لبث في السجن عشرين سنة في خزانة الكتب بالقاهرة، وقد نص ابن أبي أصيبعة أنه سجن بالاسكندرية إذ قال: «نفاه الأفضل شاهنشاه من مصر سنة خمس وخمسمائة وتردد إلى الاسكندرية». ولبث أبو الصلت بسجن المعونة مدة ثلاث سنوات وشهر واحد على ما ذكره ياقوت الحموي حسبما أخبر به الثقة عن أبي الصلت نفسه.
أما سبب سجن أبي الصلت فإن ياقوتا الحموي يعلله بحسد ودسائس كاتب الوزير الأفضل ضده بعد زوال حظوة تاج المعالي مختار ونكبته واعتقاله، وكان هذا الرجل هو السبب في ايصاله إلى الأفضل، وذكر ابن أبي أصيبعة سبب سجنه بالإسكندرية فقال: «وحدثني الشيخ سديد الدين المنطقي بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وستمائة أن أبا الصلت أمية بن عبد العزيز كان سبب حبسه بالاسكندرية أن مركبا وصل إليها وهو موقر بالنحاس فغرق قريبا منها، ولم يكن لهم حيلة في تخليصه لطول المسافة في عمق البحر فذكر أبو الصلت في أمره وأجال النظر في هذا المعنى حتى تلخص له فيه رأي واجه به الأفضل أمير الجيوش ملك الاسكندرية وأجمله أنه قام أن تهيأت له جميع ما يحتاج إليه من الآلات أن يرفع المركب من عمق البحر ويجعله على وجه الماء مع ما فيه من الثقل فتعجب من قوله وخرج به وسأله أن يفعل ذلك، ثم أتاه على جميع ما يطلبه من الآلات وغرم عليه جملة من المال، ولما تهيأت وضعها في مركب عظيم على موازاة المركب الذي غرق، وأرسى إليه حبالا مروحة من الإبريسم، وأمر قوما لهم خبرة في البحر أن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال في المركب الغارق.
وكان قد صنع آلات بها أشكال هندسية لرفع الأثقال في المركب الذين هم فيه، وأمر الجماعة ما يفعلونه في تلك الآلات، ولم يزل شأنهم ذلك والحبال الابريسم ترفع إليهم أولا فأول وتنطوي على دواليب بين أيديهم حتى بان لهم المركب الذي قد غرق وارتفع إلى قرب من سطح الماء ثم بعد ذلك انقطعت الحبال الابريسم، وهبط المركب راجعا إلى قاع البحر.
ولقد تلطف أبو الصلت جدا فيما فعله في التخيل إلى رفع المركب على أن القدر لم يساعده وحنق عليه الملك لما غرمه من الآلات وكونها أموالا جمة، وأمر بحبسه وإن لم يستوجب ذلك، وبقي في الاعتقال إلى أن شفع فيه بعض الأعيان وأطلق، وكان ذلك في خلافة الآمر بأحكام الله ووزارة الأفضل ابن أمير الجيوش».
وعلق الأستاذ قدري حافظ طوقان على هذه الحكاية في كتابه «تراث العربي العلمي في الرياضيات والفلك» بقوله: «ومن هذا يتبين جليا أن العرب فكروا في إمكان رفع المراكب الموجودة في قعر البحر، وهذا ولا شك يعطي فكرة عن بعض التقدم الذي وصلت إليه العلوم الطبيعية والهندسية عند العرب في القرون الوسطى إذ في صنع الآلات بأشكال هندسية، واستعمالها في رفع الأثقال دليل على تقمصهم بحث الميكانيكا والهندسة وبراعتهم في الجمع بينهما جمعا عمليا».
وبعد خروجه من السجن استقر بالمهدية في سنة ست وخمسمائة، وخدم الأمراء الصنهاجيين أبا الطاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس وابنه علي وابنه الحسن آخر أمرائهم إلى أن أدركته منيته في يوم الاثنين غرة محرم سنة 529/ 1135 ودفن تحت الرباط الكبير بالمنستير.
والمترجم شخصية خصبة المواهب متعددة الجوانب، خصبة الانتاج، فهو شاعر ناثر ومؤرخ آداب، وطبيب وعالم رياضي، وفلكي وموسيقي، قال ابن أبي اصيبعة: «وقد بلغ في صناعة الطب مبلغا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من معرفة الأدب ما لم يدركه كثير من سائر الأدباء، وكان أوحد في العلم الرياضي متقنا لعلم الموسيقى وعمله جيد اللعب بالعود».
قال المقري في «نفح الطيب» إنه: «هو الذي لحن الأغاني الافريقية».
قال ابن سعيد: «وإليه تنسب إلى الآن» أي القرن السابع الهجري في عهد الدولة الحفصية.
مؤلفاته:
أجوبة المسائل، وهي أجوبة عن مسائل علمية وجهت له تتعلق بمشكلات مختلفة في الفيزياء والعلويات.
كتاب الأدوية المفردة على ترتيب الاعضاء المتشابهة الاجراء والآلية وهو مختصر رتبه أحسن ترتيب منه نسخة في مكتبة بودليان ترجمه إلى اللاتينية الطبيب أرنالدو فيلونوفا Arnaldo Vilonova وترجمه إلى العبرية يهوذا ناثان.
كتاب الانتصار لحنين بن اسحاق على علي بن رضوان في تشنيعه على مسائل حنين.
الانتصار في أصول الفقه.
أوراق من كتاب في الفلك موجودة بالاسكوريال.
تقويم النفس في المنطق، منه نسخة في الأسكوريال صغيرة حققها وترجمها إلى الاسبانية غونزاس بلنثيا A.Gonzadez Palencia مدريد 1915.
الحديقة على أسلوب يتمية الدهر للثعالبي استفاد منها العماد الاصفهاني في «الخريدة» وغيره، وقد ألفها للأمير الحسن الصنهاجي، وفيها تراجم ومنتخبات لمعاصريه من الشعراء.
ديوان شعر، جمعه وحققه وقدم له محمد المرزوقي (1981) نشر دار الكتب الشرقية تونس 1974 في 1174 ص، ورتبه على الحروف الهجائية، جمعه المحقق من مظان عديدة خاصة الخريدة للأصفهاني.
الديباجة في مفاخر صنهاجة.
رسالة في العمل بالأسطرلاب ألفه وهو في اعتقال الافضل بمصر، توجد
في برلين وليدن وبودليان والمتحف العراقي رقم 1248 والكتب 2 و 3 و 6 ألفها في السجن على ما يستفاد من كلام ابن خلكان.
الرسالة المصرية، ذكر فيها ما رآه في ديار مصر من هيئتها وآثارها ومن اجتمع به من الاطباء والمنجمين والشعراء وغيرهم من أهل الأدب، ألف هذه الرسالة لأبي الطاهر يحيى بن تميم، ونشرها الاستاذ عبد السلام هارون ضمن السلسلة الأولى من نوادر المخطوطات سنة 1370/ 1951، وصدرها بمقدمة نفيسة في حياته وتحليل الرسالة، وذكر بقية مؤلفاته وأماكن وجودها.
رسالة في الموسيقى ضاع أصلها وبقيت منها ترجمة عبرية لمجهول في المكتبة الوطنية بباريس في المخطوط العبري رقم 1036.
كتاب الوجيز في علم الهيئة صنفه للأفضل الذي عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي فلما وقف عليه قال: «هذا كتاب لا ينتفع به المبتدئ ويستغني عنه المنتهى».
كتاب تراجم المؤلفين التونسيين - الجزء الثالث - صفحة 248 - للكاتب محمد محفوظ