إبراهيم باشا بن محمد علي باشا

للتدقيق

تاريخ الولادة1204 هـ
تاريخ الوفاة1264 هـ
العمر60 سنة
مكان الولادةقولة - اليونان
مكان الوفاةمصر - مصر
أماكن الإقامة
  • نجد - الحجاز
  • قولة - اليونان
  • أضنة - تركيا
  • أنطاكية - تركيا
  • استانبول - تركيا
  • حلب - سوريا
  • حمص - سوريا
  • دمشق - سوريا
  • القاهرة - مصر
  • مصر - مصر

نبذة

إبراهيم (باشا) بن محمد علي (باشا) : قائد من ولاة مصر. وقدم مصر مع طوسون بن محمد علي فتعلم بها. وأرسله أبوه محمد علي بحملة إلى الحجاز، ثم جعله قائدا للحملة المصرية وسيره بجيش إلى سورية، استولى على عكة ودمشق وحمص وحلب، وقارب الآستانة، فتدخلت الدول الأجنبية، وعقدت معاهدة (كوتاهية)وهي تقضي بضم سورية إلى مصر وتولية إبراهيم عليها. ثم نقض الترك المعاهدة فقاتلوه، فظفر إبراهيم. وتولى السلطان عبد المجيد فاتفق مع الإنكليز على إخراج إبراهيم من سورية فانتهى الأمر بخروجه وعودته إلى مصرونزل له محمد علي عن إمارة الديارالمصرية، مرض وتوفي بمصر.

الترجمة

إبراهيم (باشا) بن محمد علي (باشا) :
قائد، بعيد المطامح، من ولاة مصر. ولد في (نصرتلي) بالقرب من قولة (بالرومللي) وقدم مصر مع طوسون بن محمد علي، سنة 1220 هـ فتعلم بها.
وأرسله أبوه (أو متبنّيه؟) محمد علي سنة 1231هـ بحملة إلى الحجاز ونجد، ثم جعله قائدا للحملة المصرية في حرب المورة سنة 1239 وفي سنة 1247 سيره بجيش إلى سورية، فاستولى على عكة ودمشق وحمص وحلب، وانقادت له بلاد الشام. فوجهت حكومة الآستانة جيشا لصده، فظفر به إبراهيم في الاسكندرونة، وتوغل في الأناضول فتجاوز جبال طوروس وقارب الآستانة، فتدخلت الدول الأجنبية، وعقدت معاهدة (كوتاهية) وأمضيت في 24 ذي القعدة 1248 (1833 م) وهي تقضي بضم سورية إلى مصر وتولية إبراهيم عليها. فعاد إلى سورية وجعل عاصمته أنطاكية. ثم نقض الترك المعاهدة فقاتلوه بجيش ضخم، فظفر إبراهيم. وفي سنة 1254هـ تولى السلطان عبد المجيد فاتفق مع الإنكليز على إخراج إبراهيم من سورية فانتهى الأمر بخروجه وعودته إلى مصر سنة] [1256 (1840 م) ونزل له محمد علي عن إمارة الديار المصرية سنة 1264 (1848 م) وورد (الفرمان) العثماني بتوليته. فزار الآستانة، ومرض بعد إيابه فتوفي بمصر، قبل وفاة أبيه. ومدة حكمه بعد الفرمان 7 أشهر و 13 يوما. ويقول معاصره البارون بوا لو كونت ((Bois le Conte إنه (كان يجاهر باحياء القومية العربية ويعد نفسه عربيا، وسئل: كيف يطعن في الأتراك وهو منهم؟ فأجاب: أنا لست تركيا، فاني جئت إلى مصر صبيا، ومن ذلك الحين مصرتني شمسها وغيرت من دمي وجعلته دما عربيا) وممن ألّف في سيرته الجمعية الملكية للدراسات التاريخية، وعبد المنصف محمود، وعبد الرحمن زكي، وسليمان أبو عز الدين. وفي مجموعة (وثائق الشام في عهد محمد علي الكبير - ط) ترجمة كثير من الرسائل المتبادلة بينه وبين أبيه وغيره، راجع فهرستها  .

-الاعلام للزركلي-

 



 

إبراهيم باشا بن محمد علي باشا خديوي مصر والقاهرة
غشوم ظالم، وظلوم غاشم، خليفة الحجاج في أفعاله، وناهج منهجه في أقواله وأحواله، محتو على الفساد، منطو على الإنكاد، مجبول على الغلظة والقساوة، مجعول من الفظاظة معدوم من اللطافة والطلاوة، ممتلىء منه البذا، متضلع من الأذى، لم يخلق الله تعالى في قلبه شيئاً من الرحمة فينتزع، ولم يودع الله لسانه لفظاً من الخير فيستمع، سفاك لدماء المسلمين، نباذ لطاعة أمير المؤمنين، كان يعتقد أن ذلك ليس أمراً ذميماً، ولا يهوله قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ". فإن هذا المترجم لما اشتد أزره، وقوي أمره، تولى قيادة العساكر المصرية، وصارت له الإمرة الجندية، ثم بعد ذلك وجهه والده إلى الأراضي الشامية، ليضمها إلى الحكومة المصرية، فلم يزل يسير بعساكره، متقلداً لسيف طغيانه ومناكره، حتى حل حي عكة، وكان الوالي بها عبد الله باشا من طرف الدولة العثمانية فدكها دكة أي دكة، وسبب ذلك أن عبد الله باشا وقعت بينه وبين محمد علي باشا عداوة كلية، بسبب أنه خابره بتسليمه بلاد الشام فلم يجبه إلى هذه الأمنية، وكانت وقعة الشام مع سليم باشا آنفة الوقوع، والأفكار تحكم بأن الجزاء مقطوع به لا ممنوع، فلما سمع السلطان بعداوة عبد الله باشا مع محمد علي باشا أشفق من اتحاد الشام مع الخديوي المرقوم، فأرسل للعفو عن الشام أجل مرسوم، ووجه والياً يسمى علي باشا إلى الشام، لمداركة الأمر بغاية الاهتمام، فأرسل محمد علي باشا إلى السلطان شكاية على عبد الله باشا تطعن بعظيم شانه لعله يعزله ويجعله في مكانه، فيصل إلى مطلوبه، ويحصل من غير ضرر على مرغوبه، غير أن السلطان لم يجبه إلى مراده، ولم يوصله إلى ما تأمله في اجتهاده، فجمع إبراهيم باشا الجموع الكثيرة، وتغلب على غالب البلاد الشامية الشهيرة التي تحت ولاية عبد الله باشا كغزة والرملة والقدس والخليل ونابلس وبلاد الساحل، وحصن قلعة طرابلس وساعده أمير جبل الدروز الأمير بشير ورؤساء جبل نابلس، لكون عبد الله باشا في العام الماضي حاصر قلعة سينور وهدمها وحصل منه ضرر لأهل نابلس وكان ذلك من أسباب الغلاء الذي وقع في البلاد الشامية، فأرسل حضرة السلطان إلى والي مصر يأمره برفع عساكره عن عكا، فامتنع، فأمر السلطان بجمع العساكر العثمانية وأمر والي حلب بالتوجه إلى مساعدة عبد الله باشا، واستمر العسكر المصري يضارب عكة بحرب لم يسمع بمثله، وقد ورد كتاب من والي عكة إلى بعض أعيان دمشق يقول فيه: إن نارهم بالمدافع والقنابر لا تفتر دقيقة واحدة وإنهم يضربون اثنين وعشرين مدفعاً بفتيل واحد، وإنهم في سادس شوال اقتحموا على عكة ودخلوا من الجهات التي خربوها من السور فخرج إليهم عسكر عكة وضاربوهم بالسيوف ومن فوق السور بالمدافع والقنابر حتى أهلكوا غالب من اقتحم وامتلأ وجه الأرض من قتلاهم فانهزموا خائبين؛ وبسبب هذه الفتنة تعطلت الأموال الأميرية المعينة على نابلس وطرابلس وتلك الجهات لأجل ركب الحاج الشريف، فورد الأمر السلطاني في خامس عشر شوال بأن لا يخرج الحاج في ذلك العام وأمر والي الشام بأن يتوافق مع أهل البلد ويحافظ الشام، وفي ثالث وعشرين من شوال سافرت الصرة وأعيان الحج الموظفون إلى الاستانة، وجاء في هذا الشهر عباس باشا بن محمد علي باشا إلى أرض البقاع العزيز وحصن بعض القلاع هناك ليقطع الطريق على العساكر العثمانية الواردة لقتالهم، وافترق أهل جبل الدروز وتلك النواحي فرقتين فالنصارى منهم تابعوا الأمير بشير المتوافق مع إبراهيم باشا، وخالفهم الدروز وأظهروا الإطاعة للسلطان، وفي ذي القعدة توجه عثمان باشا الذي ولاه السلطان على طرابلس الشام بكل همة وجمع هناك عساكر كثيرة وحاصر طرابلس، فوصل الخبر إلى إبراهيم باشا فتوجه من عكة بجمع من عساكره المحاصرين عكة إلى طرابلس، فلما سمع به عثمان باشا خرج من طرابلس الشام لاقتضاء المقام ذلك، وتفرقت جموعه، ثم بعد ايام توجه إبراهيم باشا إلى حمص فدخلها في حادي وعشرين من ذي القعدة بلا قتال، وكان في حماه جمع من العساكر العثمانية ومعهم ثلاثة من الباشوات القواد، فلما سمعوا بوصول العسكر المصري إلى حمص ساروا إليهم، فخرج إبراهيم باشا من حمص ولحقه بعض العساكر العثمانية خارج حمص عند البحيرة، فرشقهم بالمدافع فرجعوا عند ذلك إلى حمص وأقاموا بها، ولم يعينوا عبد الله باشا، ولم يحصل منهم في هذه المدة سوى تثبيت البلاد، وتوجه إبراهيم باشا إلى بعلبك وجاءه المدد من العساكر والذخائر، وقام بإعانته أهل الجبل من النصارى والدروز وكان قبل ذلك قد قاتل بعض الدروز بعض النصارى، فرجع إليهم إبراهيم باشا وكسر شوكتهم فأطاعوه، وخرج حسين باشا سردار من الاستانة بعساكر عظيمة، وولاه حضرة السلطان على مصر وما يليها، وفي هذه المدة كلها يظهر محمد علي باشا الطاعة للسلطان، ولم يصرح السلطان بخروجه عن الطاعة بل وقع التصريح بخروج إبراهيم باشا وعباس باشا طمعاً في رجوعهما عن هذا الأمر، فلما رأت الحضرة الشاهانية أن محمد علي باشا مصرٌ على قتال عكة أرسل إلى البلاد يعلن بأن محمد علي باشا معزول من المناصب، وأمر أهل البلاد بقتاله وورد الأمر إلى دمشق في نصف ذي الحجة بذلك وبتحصين البلد، فحينئذ اشتد حصار إبراهيم باشا لعكة لعلمه بقرب مجيء حسين باشا، فلما كانت ليلة الاثنين السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام اقتحم العسكر على عكة ودخلوا إلى الأبراج على السلالم واستولوا عليها، وقبض على عبد الله باشا ووقع من القتل والنهب والسلب ما لا يحمد ولا يحصر، ولا يقال ولا يذكر، وذكر بعضهم أن جملة من قتل من عسكر إبراهيم باشا اثنا عشر ألفاً ومن عساكر عكة نحو خمسة آلاف، وكان ابتداء حصاره لها في سابع وعشرين من جمادى الثانية فكانت مدة الحصار ستة أشهر، ثم أرسل إبراهيم باشا عبد الله باشا من جهة البحر إلى الإسكندرية فلما علم محمد علي باشا بوصوله أرسل إليه يؤمنه ثم أرسل إليه أنواع الإكرام، وأحسن له المعاملة والإنعام، ووصله بالهدايا السنية، وأنزله منزلة علية، ثم وجهه إلى الاستانة المحمية، فغب وصوله وجهت عليه الدولة رئاسة الحرم الشريف في المدينة المحمدية، وكان عالماً مطيعاً صالحاً محباً لذوي العبادة والصلاح، وفي ثالث محرم الحرام سنة الف ومايتين وثمان وأربعين أرسل إبراهيم باشا إلى دمشق يطلب منهم أن يمكنوه من الدخول إليها فلم يرسلوا إليه جواباً، ثم طلب ثانياً فأرسلوا إليه أنا لا نمكنك من الدخول أصلاً، وفي ثامن المحرم جاء الخبر أن عسكره وصل إلى جسر بنات يعقوب فاستعد أهل دمشق لقتاله، واجتمع رؤساؤهم وتعاقدوا وتحالفوا على أنهم يد واحدة بعد ما كان بعضهم يميل إلى إبراهيم باشا خوفاً من انتقام الدولة من الشام بسبب قضية سليم باشا الآتية في ترجمته في حرف السين؛ وحصل لأهل البلد والقرى انزعاج شديد، وشرع أهل القرى والأطراف في نقل الأمتعة لداخل السور، وكتب وزير الشام إلى الباشوات الذين في حمص ومعهم وزير حلب أن يعينوا أهل الشام بعساكر من عندهم، وأرسل إبراهيم باشا إلى بعض أعيان دمشق كتاباً مؤرخاً في تاسع المحرم يهددهم فيه، وفي آخره أن بلاد عربستان قد ملكناها بسيفنا ولا يأخذها أحد منا ما دمنا في قيد الحياة. وفي رابع عشر المحرم وصل بعض جيوشه إلى قريب من قرية داريا قرية من قرى الشام بينهما نحو ثلاثة أميال، فخرج إلى لقائهم خلق كثير من أهل دمشق فقاتلوهم قتالاً يسيراً، ولم يقصد كل من رؤساء الفريقين إضرار الآخر، وقتل من كل فريق رجل أو رجلان، ثم رجع أهل الشام مظهرين الانكسار، ولم يبق من أهل الشام رجل خارج البلد، وبات أهل البلد تلك الليلة في كرب شديد وكل أهل محلة يحفظون محلتهم، وفي ليلة الخميس خامس عشر المحرم نصف الليل هرب علي باشا وزير الشام وعسكره والقاضي والمفتي المرادي والنقيب العجلاني ومحمد جوربجي الداراني، وجميع أبناء الترك الموظفين، وغالب وجوه الشام، وأصبحت البلدة نهار الخميس خالية من رؤسائها وأعيانها ولم يبق أحد ممن يعتمد عليه، فأرسل إبراهيم باشا إلى أحمد بيك الدالاتي ربيب يوسف باشا الكنج فأقام متسلماً في البلد، وأمر منادياً ينادي بالأمان، وفي ضحوة النهار دخل العسكر إلى السرايا والمرجة، ثم دخل إبراهيم باشا قبيل الظهر وطلب أن يتسلم القلعة من رئيسها علي آغا عرمان فأجابه بالامتثال وفتح الباب، فأدخل ذخيرته إليها وعسكره وقت العصر، وجاءه في ذلك النهار أمراء الدروز ومعهم خلق كثير من نصارى ودروز، وقد لطف المولى سبحانه وتعالى كما هي عادته برفع القتال وبالإذعان والتسليم من دون ضرب ولا طعن ولا سفك دماء، ثم كتب إلى الهاربين أن يرجعوا إلى أوطانهم
فالذين ذهبوا إلى حمص وهم الباشا والقاضي والداراني ورؤساء المغاربة والأكراد أبوا الرجوع واستقاموا مع بشاوات العساكر السلطانية، وأما الذين ذهبوا إلى القريتين وهم المفتي والنقيب ورشيد آغا وكيلا راميني فإنهم رجعوا إلى دمشق، ثم عزم إبراهيم باشا على قتال الذين في حمص فشرع في جمع الذخائر والعساكر، وورد إليه من مصر عسكر كثير من النظام والأعراب وغيرهم، واجتمع عند عباس باشا أيضاً في بعلبك جموع كثيرة، ثم خرج إبراهيم باشا من دمشق في ثالث صفر وأخرج معه رؤساء المحلات كالرهينة، وأقام مقامه أحمد بك الدالاتي ونصب القلالق في المحلات، ثم جاء الخبر يوم الثلاثاء في ثاني عشر صفر أنه حصل بينه وبين العسكر السلطاني في حمص قتال نهار السبت تاسع صفر، وأنه قتل منهم نحو خمسة آلاف وأسر نحو أربعة آلاف وفر باقي العسكر والباشوات وكانوا نحو ثلاثين ألفاً، وأخذ مدافعهم وذخائرهم وخيامهم وسائر موجوداتهم، وكان في قلعة حمص جماعة منهم فطلبوا منه الأمان فأمنهم وأنزلهم من القلعة وتسلمها منهم، وبعث إلى متسلم الشام بأن يعلن بالنصر فأمر أهلها بالزينة ثلاثة أيام ثم توجه نهار الثلاثاء ثاني عشر صفر إلى جهة حماه وهرب متسلمها، فأقام فيها متسلماً رشيد آغا الشملي ثم بلغه الخبر أن حسين باشا سردار وصل إلى حلب وأن الباشوات الهاربين من حمص ذهبوا إلى حلب أيضاً مع عساكرهم، فلحقهم إبراهيم باشا ونزل قبيل حلب بنحو أربع ساعات، فطلب حسين باشا من أهل حلب أن يخرجوا معه لقتال إبراهيم باشا فقالوا له نحن لا نقاتل معك ولا معه بل نحن رعية لمن غلب فإنا نخاف على أنفسنا وعيالنا، فخرج حسين باشا من حلب هارباً هو وبقية العساكر والباشوات وترك بعض العسكر الذي جاء به وذخائره، فخرج أعيان حلب إلى إبراهيم باشا يستقبلونه وينالون أمانه، فدخلها ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر بلا قتال أصلاً، ثم خرج منها يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر إلى أنطاكية وعينتاب واللاذقية، وورد الخبر نهار السبت سابع ربيع الأول أنه استولى على حصن اسكندرونة وعلى حصن بانياس وبيلان، وكان فيه حسين باشا وحصلت مقتلة عظيمة، ثم هرب حسين باشا ومن معه من الوزراء والعساكر الكثيرة، وقد شاع أنها مائة وخمسون ألفاً، وترك جميع مهماته ومدافعه وذخائره، ثم سار إبراهيم باشا بعد ذلك إلى أدنه وقد دخلها من غير قتال في غرة ربيع الثاني وأقام بها شهراً، ثم حاصر بركله ومن فيها من العساكر السلطانية ودخلها في غرة جمادى الأولى بعد قتال رشيد باشا، وفي آخر جمادى الثانية قدم إلى دمشق رشيد بك أميراً عليها من قبل محمد علي باشا، وفوض إليه النظر في أمر بلاد الساحل والقدس وغزة والشام وحلب، ثم جاء الخبر في خامس رجب أن إبراهيم باشا دخل إلى قونية وكان فيها أربعة عشر وزيراً، فلما سمعوا بوصوله هربوا ودخلها بلا حرب ولا قتال، وجاء الأمر إلى دمشق بالزينة وضرب المدافع ثلاثة أيام في كل يوم ستين مدفعاًن ثم جاء الخبر في آخر شعبان أن الوزير الأعظم جاء إلى قريب من قونية، فخرج إليه إبراهيم باشا وأسره وفرق جمعه وأسر من عساكره نحو سبعة آلاف، وأرسل إلى مركز سورية دمشق الشام بعمل الزينة ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً مع ضرب المدافع وإظهار دواعي السرور والحبور، وقد نظم أمين أفندي الجندي الشاعر هذه القصيدة مادحاً إبراهيم باشا ومتعرضاً بها لهذه الوقائع التي تقدم ذكرها، وكان بنظمها كما قيل: مكره أخاك لا بطل. ذهبوا إلى حمص وهم الباشا والقاضي والداراني ورؤساء المغاربة والأكراد أبوا الرجوع واستقاموا مع بشاوات العساكر السلطانية، وأما الذين ذهبوا إلى القريتين وهم المفتي والنقيب ورشيد آغا وكيلا راميني فإنهم رجعوا إلى دمشق، ثم عزم إبراهيم باشا على قتال الذين في حمص فشرع في جمع الذخائر والعساكر، وورد إليه من مصر عسكر كثير من النظام والأعراب وغيرهم، واجتمع عند عباس باشا أيضاً في بعلبك جموع كثيرة، ثم خرج إبراهيم باشا من دمشق في ثالث صفر وأخرج معه رؤساء المحلات كالرهينة، وأقام مقامه أحمد بك الدالاتي ونصب القلالق في المحلات، ثم جاء الخبر يوم الثلاثاء في ثاني عشر صفر أنه حصل بينه وبين العسكر السلطاني في حمص قتال نهار السبت تاسع صفر، وأنه قتل منهم نحو خمسة آلاف وأسر نحو أربعة آلاف وفر باقي العسكر والباشوات وكانوا نحو ثلاثين ألفاً، وأخذ مدافعهم وذخائرهم وخيامهم وسائر موجوداتهم، وكان في قلعة حمص جماعة منهم فطلبوا منه الأمان فأمنهم وأنزلهم من القلعة وتسلمها منهم، وبعث إلى متسلم الشام بأن يعلن بالنصر فأمر أهلها بالزينة ثلاثة أيام ثم توجه نهار الثلاثاء ثاني عشر صفر إلى جهة حماه وهرب متسلمها، فأقام فيها متسلماً رشيد آغا الشملي ثم بلغه الخبر أن حسين باشا سردار وصل إلى حلب وأن الباشوات الهاربين من حمص ذهبوا إلى حلب أيضاً مع عساكرهم، فلحقهم إبراهيم باشا ونزل قبيل حلب بنحو أربع ساعات، فطلب حسين باشا من أهل حلب أن يخرجوا معه لقتال إبراهيم باشا فقالوا له نحن لا نقاتل معك ولا معه بل نحن رعية لمن غلب فإنا نخاف على أنفسنا وعيالنا، فخرج حسين باشا من حلب هارباً هو وبقية العساكر والباشوات وترك بعض العسكر الذي جاء به وذخائره، فخرج أعيان حلب إلى إبراهيم باشا يستقبلونه وينالون أمانه، فدخلها ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر بلا قتال أصلاً، ثم خرج منها يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر إلى أنطاكية وعينتاب واللاذقية، وورد الخبر نهار السبت سابع ربيع الأول أنه استولى على حصن اسكندرونة وعلى حصن بانياس وبيلان، وكان فيه حسين باشا وحصلت مقتلة عظيمة، ثم هرب حسين باشا ومن معه من الوزراء والعساكر الكثيرة، وقد شاع أنها مائة وخمسون ألفاً، وترك جميع مهماته ومدافعه وذخائره، ثم سار إبراهيم باشا بعد ذلك إلى أدنه وقد دخلها من غير قتال في غرة ربيع الثاني وأقام بها شهراً، ثم حاصر بركله ومن فيها من العساكر السلطانية ودخلها في غرة جمادى الأولى بعد قتال رشيد باشا، وفي آخر جمادى الثانية قدم إلى دمشق رشيد بك أميراً عليها من قبل محمد علي باشا، وفوض إليه النظر في أمر بلاد الساحل والقدس وغزة والشام وحلب، ثم جاء الخبر في خامس رجب أن إبراهيم باشا دخل إلى قونية وكان فيها أربعة عشر وزيراً، فلما سمعوا بوصوله هربوا ودخلها بلا حرب ولا قتال، وجاء الأمر إلى دمشق بالزينة وضرب المدافع ثلاثة أيام في كل يوم ستين مدفعاًن ثم جاء الخبر في آخر شعبان أن الوزير الأعظم جاء إلى قريب من قونية، فخرج إليه إبراهيم باشا وأسره وفرق جمعه وأسر من عساكره نحو سبعة آلاف، وأرسل إلى مركز سورية دمشق الشام بعمل الزينة ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً مع ضرب المدافع وإظهار دواعي السرور والحبور، وقد نظم أمين أفندي الجندي الشاعر هذه القصيدة مادحاً إبراهيم باشا ومتعرضاً بها لهذه الوقائع التي تقدم ذكرها، وكان بنظمها كما قيل: مكره أخاك لا بطل.
نحن الأسود الكاسره ... نحن السيوف الباتره
من أرض مصر القاهره ... سرنا وقد نلنا المنا
بارودنا شراره ... تشوي الوجوه ناره
وعزمنا بتاره ... من العدا أمكننا
نحن بنو الحرب فلا ... نخشى غباراً إن علا
ولم نضق عند البلا ... صدراً إذا الموت دنا
بالروح جدنا كي نقيل ... لمصرنا الفخر الجميل
ونبتغي الفضل الجزيل ... فعلاً يعز الوطنا

عاداتنا أخذ الرجال ... بالبيض والسمر العوال
ونارنا بالاشتعال ... لهيبها يبدي السنا
جهادنا لا ينكر ... في كل قطر يذكر
وسيفنا إذ يشهر ... للنصر يبدي معلنا
اما العلا تقديمها ... مستوجباً تعظيمها
الشاه إبراهيمها ... أدامه المولى لنا
أبو خليل في الحروب ... لا زال كشاف الكروب
وحين يدعى للركوب ... بالبيض يغزو والقنا
لما غزونا عكة ... بالطوب دكت دكتا
وللأعادي بكتا ... هجومنا واخذنا
صبحاً علونا سورها ... وقد هدمنا دورها
أما ترى قصورها ... قد حلها هدم البنا
فزنا بفتح الطائلي ... للقدس والسواحل
والشام يا ذا الكاملي ... والله قد أعزنا
ويوم حمص لو ترى ... على العداة ما جرى
وقد علا فوق الثرى ... صرعى يقاسون الضنا
هناك أضحوا هالكين ... وفي دماهم غارقين
وانحل عقد الظالمين ... وحل للباغي العنا
ولحماة مع حلب ... سرنا وجدينا الطلب
ولم نجد ممن هرب ... إلا طريحاً بالضنا
وعند بيلان سمت ... وقائع قد عظمت
وللبغاز اقتحمت ... فرساننا وأسدنا
لما بهم غنى الحمام ... خلوا المهمات الجسام
وكل ما تحوي الخيام ... غنيمة أضحت لنا

في جفن حاز قد سما ... حر الوغى محتكما
وجيشهم قد هزما ... بالويل يشكو الوهنا
أمام قونه قد بدا ... حرب مبيد للعدا
وحل بالضد الردى ... لما استخفوا بطشنا
وقد أطلنا قهرهم ... لما أسرنا صدرهم
ومذ ولينا أمرهم ... بالذل مالوا نحونا
هذا وهذا كله ... عزيز مصر أصله
وليس يخفى فضله ... دوماً على أهل الثنا
فنسأل الله المعين ... بحرمة الهادي الأمين
يديمه للمسلمين ... مولى مغيثاً محسناً
ولما قرئت هذه المنظومة المزدوجة على إبراهيم باشا وأنشدت بين يديه أمر للشيخ أمين ناظمها بمائة دينار، فدفعت له في الحال، ثم إن إبراهيم باشا أراد أن يتجاوز حدوده، وأن يبلغ مراده ومقصوده، وذلك أنه في خامس شعبان صدر الأمر من والي الشام شريف بك بجمع أعيان البلدة وعلمائها ورؤسائها، وغب اجتماعهم أخرج كتابة من محمد علي باشا مضمونها أن السلطان محمود خرج عن طور أسلافه وأنه زاد في الظلم والبغي وأنه أمر بتغيير زي الناس وملبوسهم ومساواة النصارى مع المسلمين في الزي، وأن سبب ذلك سوء رأيه ولذلك تغلب عليه أعداؤه من الفرنج حتى ملكوا معظم بلاد الإسلام، وأنه لم يبق له عند الملوك احترام ولا اعتبار ولا عند رعيته، وأنه بسبب ذلك صارت المصلحة في عزله من السلطنة وتولية ابنه محله لأجل نظام الملك وإقامة أحكام الشريعة، لأنه لو بقي في السلطنة يزيد الضرر على المسلمين، وطلب إخراج فتوى بجواز ذلك وأن يكتب عليها المفتي وعلماء البلدة من جميع المذاهب، فكتبوا له ما أراد، وسايروا هذا الباغي الذي لربوع الطغيان شاد.

إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وأفتوه بأنه يجوز خلع الإمام، إذا جار ونهج منهج اللئام، ولزم من إبقاءه ضرر، ولم يلزم من خلعه فتنة هي أكبر وأضر، وأدهى وأمر، وادعى كذلك هذا الباغي على حضرة المرحوم السلطان محمود، أن الذي وقع من عماله في أيامه لم يسمع بمثله من اختلال نظام البلاد، وأحوال العباد، حتى خربت بلاد الروم والأناضول من أخذ رجالهم للحرب وسلب أموالهم واستيلاء الإفرنج عليهم، وكذا غيرها من البلاد، وما وضع من الأعشار والمكوس والمصادرات وزوال الأمن عن أهل المدن في بيوتهم فضلاً عن البراري، فاستولت الأعراب على القرى وعلى الأغلال وارتفعت الأسعار وانتهبت القوافل، وفي غرة رمضان أمر والي الشام وهو شريف بك بجمع المفتي والنقيب وغيرهما، فاجتمعوا عنده ليلة شهر رمضان، فقال: إن أفندينا محمد علي باشا كتب إلى البلاد من شهرين بأن من أراد الحج فليقدم إلى الشام، فما حضر إلا نادر من الأفراد فلذلك لم يخرج الحاج. ثم إن إبراهيم باشا لما ازداد في سموه وزاد في عتوه منعته الأجانب، وتعصبت الإنكليز إلى الدولة في الظاهر لتوطيد أركانها، وفي الباطن خشية من انتشار قوة إسلامية شابة ذات سلطة ومركزها مصر، فتخشى أن تمتد من هناك إلى الهند الذي هو روح قوة الإنكليز لاسيما إذا عاضدته إحدى الدول الأروباوية مثل فرانسا، فلذلك حاربته مع الدولة العثمانية التي هي إذ ذاك على تعب شديد من حرب الروسيا والثورات الداخلية واستقلال اليونان وغير ذلك فقهروا محمد علي باشا، ولكن لإتمام مقاصد الإنكليز لم تسمح للدولة بالاستيلاء التام على مصر لمراعاة المقاصد المشار إليها أيضاً، فكان الأوفق لها إبقاء مصر على شبه استقلال ليضعف كل من الجهتين، وبقي محمد علي باشا والياً على مصر على شروط معلومة في ترجمته، وجاء خبر الصلح على ذلك إلى الشام تاسع عشر ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومايتين وألف، وكان قد تمكن إبراهيم باشا من البلاد الشامية وقهر الناس واستباح الحرام، وفعل جميع الموبقات والآثام، فلم يبق شيء من القبائح في زمنه إلا وقد فعل بدون إنكار ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكان قد وضع بعد إحصاء أهل المدن والقرى في دفتر على كل فرد من البالغين منهم مالاً أقله خمسة عشر قرشاً وأكثره خمسماية قرش، تؤخذ منه في كل سنة، كما وضع ذلك من قبل على أهل مصر واستولى العسكر على أكثر المساجد والمدارس والتكايا، ومنعوا المصلين من دخولها وجعلوها لسكناهم ولدوابهم، وذلك سنة تسع وأربعين، فكان ذلك سبباً لضياع أوقافها وخرابها، وقدم العيسوية على المحمدية، وأذل أهل الشرف والعلم وذوي الاحترام، وأعز الأسافل والطغاة على الإسلام، ثم بعد رجوعه من البلاد الرومية، لا زال يدور في البلاد الشامية، حتى وصل في أواخر سنة تسع وأربعين إلى القدس الشريف في أيام الموسم، فوقعت هناك فتنة بين العيسوية تلف منها خلق كثير، وفي سنة ألف ومايتين وخمسين اشتغل بإدخال من وقع في أيديهم من الناس في العسكرية، فهرب الناس وتشتت أمرهم وكثر البكاء والنحيب وتوقفت الأشغال والمصالح، وطلب من جبل نابلس إجراء ذلك عليهم، فخرجوا عن الطاعة وحصروا إبراهيم باشا في القدس، واجتمع منهم خلق كثير ولا زالوا محاصرين له نحو شهرين، وكان رئيسهم الشيخ قاسم الأحمد، فلما ضاق به الحصار وأيقن بالهلاك والدمار أرسل إلى قاسم الأحمد كتابة تلطيف مصحوبة بمال جسيم، ووعده بالالتفات والتقديم، وأنه لا يأخذ منهم عسكراً ولا مالاً، وأنه يوسعهم نعمة ونوالاً، فرضي القاسم الأحمد لقلة عقله، وسوء رأيه وجهله، وفك عقدة الحصار والضيق، وتفرق الناس متمسكين بما جرى من العهود والمواثيق، فخرج إبراهيم باشا حتى وصل إلى يافا فوجد العساكر قد وصلت لنجدته، وتخليصه من نكبته، فنكص على عقبه في الحال، واشتغل بالقتل والنهب والحرق وسلب الأموال، فهرب قاسم الأحمد إلى الخليل، فلحقه إبراهيم باشا بعساكره واشتغل بالنهب والسلب والقتل حتى لم يبق منهم إلا القليل، ثم دار على الساحل، ففعل بأهله هذه الرذائل، ولم يزل يتتبع آثار قاسم الأحمد حتى قبض عليه، وقتله بدمشق هو والبرقاوي ونكث العهد الذي عهد به إليه، وأمر بجمع السلاح من سائر البلدان، التي تحت أمر هذا الشيطان، ولم يزل في ظلم وعناد، وقبح وفساد، وسفك وسلب، وقتل وضرب، إلى أن دخلت سنة ثلاث وخمسين هجرية، فطلب من جبل الدروز الشرقي مائة وثمانين نفراً للعسكرية، فحضر مشايخ الدروز وطلبوا استبدال ذلك بالمال، فلم يرض إلا بإحضار الرجال، فأجابوه بأنهم يبادرون إلى الإحضار، من غير تأخير ولا اعتذار، وقصدهم التخلص من هذا الظالم؛ والعاتي الغاشم، فلما وصلوا إلى الأوطان، أزمعوا على عدم الطاعة والإذعان، وغب وصول الخبر، توجهت إليهم العساكر كالجراد إذا انتشر، وكان أمير الجيوش علي آغا البصيلي وهو كبير طائفة الهوارة والصعايدة ومعه عبد القادر آغا أبو جيب من أهل الشام من ميدان الحصى، فعقدوا هناك مع كبراء الدروز مجلساً للمشاورة في هذا الأمر، فامتنع الدروز من دفع الأنفار، وقالوا ندفع من المال ما يزيد عن البدلات، فقال البصيلي إني أرسل مراسلة أستشير بها أفندينا وعلى ذلك قر القرار، ففي تلك الليلة كبست الدروز العساكر، وأذاقتهم كؤوس المنية حتى لم يبق منهم إلا النادر، ومن جملة من قتل عبد القادر آغا أبو جيب، وكان المتسلم في جبل حوران والدروز، وآلت جميع أمتعة العساكر وآلات حروبها إلى الدروز، ولم يسلم من القتل سوى علي آغا البصيلي ومعه خمسة عشر نفراًن فوصل الخبر إلى إبراهيم باشا فصعب عليه الأمر، وصار بصره يتوقد كالجمر، وابتدر بجمع العساكر، واستعد فوق العادة من المهمات والذخائر، ووجههم للقتال، وأوصاهم بالاستئصال، فحين علم الدروز جمعوا جميع متاعهم ودخلوا اللجاه، ولا ريب أنه محل الأمن والنجاة، لأنها حصن حصين، وملجأ رصين، فغب وصول المعسكر قامت الحرب على ساق، وكان الفناء على العساكر الإبراهيمية قد ركب جواده وساق، وأول من قتل من رؤساء العساكر العظام، محمد باشا القائد العام، وتبعه يعقوب بك فقتلا اقبح قتلة، وامتد القتل إلى البقية من غير مهلة، فكانت الدروز على هذا الباغي سيف الانتقام والهوان، وبعد مدة تحرك للعصيان جبل الدروز الغربي تحت رئاسة الشيخ شبلي العريان، ولم تزل بعد ذلك يد الصغار تستطيل عليه، وتوجه جيوش التأخير إليه، وفي سنة خمس وخمسين توفي السلطان محمود، وتولى إمارة المؤمنين السلطان عبد المجيد خان، لا زالت دولتهم محفوظة إلى آخر الدوران، وفي تاريخه أمر إبراهيم باشا بأمر والده بقتل علي آغا بن محمد آغا خزنة كاتبي، وبعد مدة أمر السلطان عبد المجيد خان بخروج إبراهيم باشا بعساكره من الأرض الشامية، إلى الأقطار المصرية، فأجاب الأمر بالسمع والطاعة وجمع عساكره وذخائره ومتاعه، وفرق ذلك بالشام، على المساجد والجوامع وبيوت الأرامل والأيتام، ثم بعد شهرين من مجيء الأمر بخروجه خرج من باب الله بعساكره ونزل بسهل القدم، بعد أن جعل الشام وأهلها من كل نعمة في عدم، وذلك في اليوم السادس من ذي القعدة الحرام، سنة ست وخمسين ومايتين وألف من هجرة سيد الأنام، وكان يوم خروجه يوماً شديد الثلج والبرد، والهواء والشرد، وكان يحث عساكره على العجلة والسرعة، ومن تأخر ولو لتعب كان قبره موضعه، وأخذ معه جميع الحبوب والمواشي، من غير خوف ولا تحاشي، ولما وصل مصر امتدحه مهنئاً له الشاعر الأديب، والماهر الأريب، محمد شهاب الدين صاحب الديوان بقوله، وإن كان مدحه في غير محله: روز الشرقي مائة وثمانين نفراً للعسكرية، فحضر مشايخ الدروز وطلبوا استبدال ذلك بالمال، فلم يرض إلا بإحضار الرجال، فأجابوه بأنهم يبادرون إلى الإحضار، من غير تأخير ولا اعتذار، وقصدهم التخلص من هذا الظالم؛ والعاتي الغاشم، فلما وصلوا إلى الأوطان، أزمعوا على عدم الطاعة والإذعان، وغب وصول الخبر، توجهت إليهم العساكر كالجراد إذا انتشر، وكان أمير الجيوش علي آغا البصيلي وهو كبير طائفة الهوارة والصعايدة ومعه عبد القادر آغا أبو جيب من أهل الشام من ميدان الحصى، فعقدوا هناك مع كبراء الدروز مجلساً للمشاورة في هذا الأمر، فامتنع الدروز من دفع الأنفار، وقالوا ندفع من المال ما يزيد عن البدلات، فقال البصيلي إني أرسل مراسلة أستشير بها أفندينا وعلى ذلك قر القرار، ففي تلك الليلة كبست الدروز العساكر، وأذاقتهم كؤوس المنية حتى لم يبق منهم إلا النادر، ومن جملة من قتل عبد القادر آغا أبو جيب، وكان المتسلم في جبل حوران والدروز، وآلت جميع أمتعة العساكر وآلات حروبها إلى الدروز، ولم يسلم من القتل سوى علي آغا البصيلي ومعه خمسة عشر نفراًن فوصل الخبر إلى إبراهيم باشا فصعب عليه الأمر، وصار بصره يتوقد كالجمر، وابتدر بجمع العساكر، واستعد فوق العادة من المهمات والذخائر، ووجههم للقتال، وأوصاهم بالاستئصال، فحين علم الدروز جمعوا جميع متاعهم ودخلوا اللجاه، ولا ريب أنه محل الأمن والنجاة، لأنها حصن حصين، وملجأ رصين، فغب وصول المعسكر قامت الحرب على ساق، وكان الفناء على العساكر الإبراهيمية قد ركب جواده وساق، وأول من قتل من رؤساء العساكر العظام، محمد باشا القائد العام، وتبعه يعقوب بك فقتلا اقبح قتلة، وامتد القتل إلى البقية من غير مهلة، فكانت الدروز على هذا الباغي سيف الانتقام والهوان، وبعد مدة تحرك للعصيان جبل الدروز الغربي تحت رئاسة الشيخ شبلي العريان، ولم تزل بعد ذلك يد الصغار تستطيل عليه، وتوجه جيوش التأخير إليه، وفي سنة خمس وخمسين توفي السلطان محمود، وتولى إمارة المؤمنين السلطان عبد المجيد خان، لا زالت دولتهم محفوظة إلى آخر الدوران، وفي تاريخه أمر إبراهيم باشا بأمر والده بقتل علي آغا بن محمد آغا خزنة كاتبي، وبعد مدة أمر السلطان عبد المجيد خان بخروج إبراهيم باشا بعساكره من الأرض الشامية، إلى الأقطار المصرية، فأجاب الأمر بالسمع والطاعة وجمع عساكره وذخائره ومتاعه، وفرق ذلك بالشام، على المساجد والجوامع وبيوت الأرامل والأيتام، ثم بعد شهرين من مجيء الأمر بخروجه خرج من باب الله بعساكره ونزل بسهل القدم، بعد أن جعل الشام وأهلها من كل نعمة في عدم، وذلك في اليوم السادس من ذي القعدة الحرام، سنة ست وخمسين ومايتين وألف من هجرة سيد الأنام، وكان يوم خروجه يوماً شديد الثلج والبرد، والهواء والشرد، وكان يحث عساكره على العجلة والسرعة، ومن تأخر ولو لتعب كان قبره موضعه، وأخذ معه جميع الحبوب والمواشي، من غير خوف ولا تحاشي، ولما وصل مصر امتدحه مهنئاً له الشاعر الأديب، والماهر الأريب، محمد شهاب الدين صاحب الديوان بقوله، وإن كان مدحه في غير محله:
سمهري ينثني أم غصن بان ... أم قوام دونه صبري بان
صال بالعسال معسول اللما ... وتهادى هادماً ما أنا بان

يا مليك الحسن رفقاً بشج ... كلما حاول كتم الشجو بان
مرج البحرين فيضاً دمعه ... إذ رأى جفنيه لا يلتقيان
جاء لما جار سلطان الهوى ... طالباً من عادل القد الأمان
رب ساق وهو قاس قلبه ... عطفه منذ أدار الكأس لان
أهيف إن ماس تيهاً ورنا ... رحت منه بين سيف وسنان
كسر القلب وما كان التقى ... فيه من حين هواه ساكنان
يا له ثاني عطف قد غدا ... واحداً في الحسن فرداً دون ثان
من رآه وهو يسعى بالطلا ... قال ما أسعد ذياك القران
هو بدر أشرقت أنواره ... وضياء البدر يبدو حيث كان
وهو شمس بسناها احتجبت ... لكليم الطرف قالت لن تران
فاسقنيها أيها الساقي على ... عارض الاس وثغر الأقحوان
في رياض رقصت أغصانها ... حيت غنتها من الطير قيان
حدق النرجس فيها عينه ... إذ رأى المنثور يومي بالبنان
إن بكى الطل على أفنانها ... بسم الزهر وعن در ابان
بينما الراووق يهمي دمعه ... في رباها قهقهت منه القنان
لمدير الكاس في أدواحها ... لم تلح شمس سوى شمس الدنان
يا نديمي قم وبادرها وطب ... هذه الجنة والحور الحسان
وأدر لي بنت كرم عتقت ... نورها الباهر يحكي البهرمان
زوجت بالماء بكراً فأتت ... إذ علاها بذراري من جمان
بالنهى قد فعلت كاساتها ... فعل إبراهيم سلطان الزمان
أسد الهيجاء ضرغام الوغى ... قاصم الأعداء من قاص ودان
فهو كالشمس سمت آفاقها ... وسناها كان في كل مكان
فرع أصل قد تسامى في العلا ... وعلا شأناً على رغم لشان
سره أن كان سر عسكره ... ورمى القرن فنادى يا رمان

سطوات بأسها حامي الحمى ... واكف كم بها كف افتتان
كم له في السلم من مرحمة ... وكأين من حنو وحنان
يمم اليم ورد ما تشتهي ... وعلى المورد يا صاح الضمان
لم يكن في كل بحر لؤلؤ ... إنما اللؤلؤ في بحر عمان
حلمه الروض جناه يجتنى ... ويرجي العفو فيه كل جان
همم فوق السموات سمت ... ومعال دونهن الصعب هان
وحلى جلت وجلت غاية ... أيجارى من له سبق الرهان
يا عزيزاً لا يضاهى أبداً ... عزه يسكو العدا ثوب الهوان
كم حروب كشفت عن ساقها ... خاضها طرفك مطواع العنان
بجيوش شمرت عن ساعد ... ماله يوم نزال من توان
هاك مني بنت فكر تنجلي ... في حلي من بديع وبيان
وقد أعيذت بشهاب ثاقب ... صانها عن كل شيطان وجان
وبدت من خدرها قائلة ... إن وصلي للحبيب الآن آن
وبودي لو ألاقي حظوة ... منه تكسوني جلابيب امتنان
فدنوي منه غايات المنى ... وقبولي منتهى كل الأمان
وكانت وفاة المترجم المرقوم ختام ذي الحجة الحرام سنة أربع وستين ومائتين وألف من هجرة سيد الأنام، وكان ذلك في حياة والده لأن والده توفي أول ليلة من شهر رمضان المبارك سنة خمس وستين ومائتين وألف، ودفن في جامعه الذي أنشأه في قلعة الجبل.

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - ابن إبراهيم البيطار الميداني الدمشقي.

 

إبراهيم باشا

جاء كبيرا مع والده من بلده، وأمه هي أم طوسون وإسماعيل وزهرة وناظلة، وكانت أشرف بيتا من بيت محمد علي

وكان إبراهيم باشا معتد في أواخر مدة والده، وكان يسكن بقصر القبة، فذهب والده مرة لزيارته هناك ومعه سليم أغا السلحدار، فقال له في أثناء الطريق: لقد طال اعتلال إبراهيم فلا هو في حال يرجي معها ولا يموت فيستريح ويريحنا، فأبلغها السلحدار الإبراهيم.

فلما قابل والده مرة أخرى فاتحه في ذلك، وقال: ما هو ثقلي عليكم حتى تتمنوا موتي؟!

فامتعض محمد علي وصار يحلف له أن مبلغه كذاب، ولم يزل إبراهيم معتلا حتى لما تولى وذهب لاستنبول كانوا يرون في القارورة التي يتفل بها بصاقه معرقا بالدم، ولما تولى انتقل إلى القلعة وسكن بها، وأحضروا له جندا من الحرس كالعادة، فقال: لا حاجة لي بالحرس، فقد شهدت عدة حروب ولم يكن لي حرس، ومات بالقلعة، ونزلوا بجنازته ودفنوه في مقبرتهم التي بجوار الإمام الشافعي

مقتطفات من كتاب: أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، تأليف: أحمد تيمور باشا.